تعرف كوبا أمثلة الماضي، تعرف المصاعب والهزائم، ولكنها تعرف أيضًا أنها عند فجر عصر جديد. لقد عصفت نهضة النضالات القومية والشعبية في آسيا وأفريقيا بمعاقل الاستعمار. ولم تعد وحدة هذه الشعوب من شأن الدين والتقاليد والأطماع والأُلفة أو التمايز العرقيين، فلحمتها تشابه الظروف الاقتصادية والاجتماعية، والرغبة الواحدة في التقدم. لقد تصافحت آسيا وأفريقيا في باندونغ، وهنا في لاهايانا، من خلال كوبا، هاهما آسيا وأفريقيا تصافحان أمريكا اللاتينية والهندية [1] .
ومن جهة أخرى، فقد تراجعت الدول الاستعمارية الكبرى أمام الشعوب المناضلة. لم تعد بلجيكا وهولندا إمبراطوريتين إلاَ سخرية. وفقدت ألمانيا وإيطاليا مستعمراتهما. وتتخبط فرنسا في مرارة حرب تحققت خسارتها منذ الآن [2] . وأخذت إنكلترا ماكرة، تصفِّي السلطة السياسية للإبقاء على العلاقات الاقتصادية.
تحل الرأسمالية الأمريكية الشمالية محل بعض الرأسماليات الاستعمارية القديمة في البلدان التي بدأت فيها الحياة المستقلة، ولكنها لا تجهل أن هذا أمر موقوت وأنه لن يكون ثمة توسع حقيقي لمضارباتها المالية في هذا الميدان. سوف تقدر الولايات المتحدة أن تمتص مصّ الأخطبوط، لكن دون أن تستطيع إطباق محاجمها بالثبات ذاته. لقد كلّت مخالب النسر الامبراطوري. مات الاستعمار في أنحاء العالم كافة، أو هو على وشك أن يموت ميتته الطبيعية.
(1) أمريكا الهندية: يقصد بها شعوب الهنود الحمر الذين يشكلون أساس السكان في أمريكا كلها قبل هجرة الأوروبيين إليها، وقد بقي بعضها على سماته الأصلية، في حين امتزج غيرها بالأوروبيين والزنوج. أو اقتبس لغات الأوروبيين، أو ذاب فيهم. أو أبادوه إبادة.
(2) إشارة إلى حرب الجزائر التي كانت مُحْتَدِمَة وقت تأليف الكتاب.