الصفحة 34 من 214

لقد كانوا يخافونه .. كانوا يخافونه حيًا، وهو لا يبرحون يخافون الآن، بعدما توصلوا إلى حذف جسده. ولقد أشارت جميع الأدلة إلى أن غيفارا وقع أسيرًا، بعدما أصيب بجروح بليغة، وبعدما تعطلت بندقيته من جراء إصابتها بطلق ناري، في معركة جرت بين بضعة ثوار بوليفيين وقوات نظامية تفوق الألف وخمسمائة جندي في عددها. وما كان يمكن ليغيفارا، كما يقول كاسترو، أن يستسلم حيًا .. لكن رفاقه القلائل حين شاهدوه جريحًا، استماتوا في المقاومة وفي الدفاع عنه، فاستمرت المعركة بين هؤلاء الرجال الستة عشر وقوات الجيش النظامي البوليفي قرابة ست ساعات، وهو شيء لا يمكن أن يحدث في حرب الأنصار مطلقًا. لكن غيفارا جرح جروحًا بليغة بحيث لا يستطيع الانسحاب، وتعطلت بندقيته بحيث لا يستطيع أن يضع حدًا لحياته بنفسه. بيد أن الحكومة الدكتاتورية في بوليفيا، التي أسرته حيًا، قد أجهزت عليه، وبعدما أجهزت عليه رفضت أن تسلم جثته لأخيه، كما رفضت أن تطلع كائنًا ما عليها، أو على مكان وجودها. لقد دفنوه في مكان مجهول، ولعلهم أحرقوا الجثة وذروا رمادها في الرياح، حتى يزيلوا من الوجود كل أثر له، فيما يعتقدون، فلا يتحول قبره، في المستقبل، إلى محجة للثوريين في كل مكان، إلى هيكل يقصده الناس الشرفاء من أنحاء المعمورة الأربع، كي يعبروا عن جلهم وتقديرهم واحترامهم للثائر الراحل، وعن حقدهم على القتلة وإدانتهم لهم.

إن المستعمرين وأذنابهم، هؤلاء يعرفون بغريزتهم أن التاريخ قد أصدر حكمه عليهم مسبقًا على حد تعبير فيدل كاسترو، يخافون غيفارا حتى بعد وفاته، فهم يريدون أن يحرموا الحركة الثورية - وبالخاصة في أميركا اللاتينية - من الرمز، يريدون أن يطفئوا الشعلة، ويحسبون أنهم بذلك يضربون الحركة الثورية ويزعزعونها.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت