ومتى انقضى الطور الأول، ومذ أن تؤمن الغوارة أودها، عليها أن تقاتل. عليها لهذه الغاية أن تخرج باستمرار من ملجئها، لكن ليس لزامًا أن تكون عظيمة الجؤول كما في الأرض غير المؤاتية لها. يجب أن تتكيف بظروف العدو، لكنها لا تحتاج أن تتنقل كما في الأراضي التي يستطيع العدو أن يحشد فيها سريعًا عددًا كبيرًا من جنوده. ولا يتحتم أن تكون العمليات ليلية. وفي حالات كثيرة، يمكن القيام بالعمليات نهارًا، ولا سيما التنقل. يتعلق كل ذلك طبعًا بيقظة العدو، برًا وجوًا. ويمكن أن يطول أمد القتال، ولا سيما في الجبل. ويمكن القيام بقتالات طويلة الأمد بعناصر ضئيلة، ويُرجَّح جدًا أن يُستطاع منع وصول نجدات العدو إلى ميدان العمليات.
إن مراقبة المسالك هي قاعدة لا يجوز أن ينساها المغاور أبدًا. إلاَّ أن مصاعب العدو في تلقي النجدات هي بالذات ما يزيد من هجومية المغاور، إذ يستطيع أن يدنو من العدو أكثر، وأن يهاجمه بمزيد من المباشرة، وأن يقاتله جبهيًا ولأمد أطول. يتعلق كل ذلك طبعًا بظروف شتَى، بكمية الذخيرة مثلًا.
وعلى الرغم مما للحرب في الأرض المؤاتية، ولا سيما في الجبل، من حسنات عديدة، ثمة محذور يعتريها هو كونها لا تسمح بالاستيلاء بعملية واحدة على كمية كبيرة من السلاح والذخيرة، لأن العدو يتخذ احتياطات في مثل هذه البقاع (ينبغي ألاَّ ينسى المغاور أبدًا أن العدو هو مصدر تموينه بالسلاح والذخيرة) . وبالمقابل، فإن الغوارة تستطيع أن تستقر في هذه الأرض وتتحضر بسرعة أكبر منها في الأرض غير المؤاتية، لتنشىء مأرِزًا مركزيًا قادرًا على الاضطلاع بحرب التحاصن. إنها تستطيع أن تقيم في هذه الأرض المنشآت الصغيرة التي تحتاج إليها، وأن تحميها بالشكل الملائم من أذى الطيران والمدفعية بعيدة المدى، كالمشافي ومراكز التعليم أو التدريب، بالإضافة إلى المخازن ووسائل النشر ... إلخ.