توطئة خاصة بهذا المبحث: جاء في المقدّمة:"فمِن الممكن أن نشهد انقراضًا لهذا العِلم في السنوات القليلة القادمة" [1] ، وقد يُصدم بعضُ طلاب الحديث الذين قرؤوا هذا التحذير مِن مستوى خطورته، بل ربّما أنكروه ورَدُّوه؛ لذلك جاءت هذه التوطئة الهامة قبل البدء بموضوع المبحث.
وهذه التوطئة تشمل فكرتين اثنتين:
الفكرة الأولى: إنّ البناءَ كَمَا يحتاجُ بنّائينَ كذلك يحتاجُ حَفَظَةً له مِن المُخرِّبين، وإلاّ لن يكتمل البناءُ ولن يبقى، وهكذا علمُ الحديث، لقد علا بناؤُه وارتفع شأنُه وعظمت مكانتُه واشتدّ ساعدُه، وكلُّ هذا ما كان ليتمّ لولا همّةُ العلماءِ في البناء وأيضًا لولا هِمَّتُهم في الدفاع عنه وحفظِه مِن المُخَرِّبين الهادمين له ولو كانوا مِن الصالحين [2] ، ولا أَوضحَ في هذا المعنى مِن قول الإمام الشافعيّ بأنّ سببَ وجودِ وبقاءِ عِلم الحديث في العراق هو شعبةُ، فلماذا؟ قال الإمام الشافعيُّ:"لولا شعبةُ ما عُرِفَ الحديثُ بالعراق؛ كان يجيءُ إلى الرَّجلِ فيقول: لا تُحَدِّثْ، وإلاّ استعديتُ عليك السلطانَ" [3] . وقد عَقَدَ الخطيبُ البغدادي فصلًا كاملًا بعنوان: (ذكرُ ما يجب على الحفّاظ مِن بيان أحوال الكذّابين، والنكير عليهم، وإنهاء أمرهم
(1) قد سبق في المقدمة، ص 3.
(2) أخرج أبو القاسم الجوهري في مسند الموطأ ص 99:"قال الإمام مالك: إنّ هذا العِلم دِينٌ، فانظروا عمّن تأخذونه، لقد أدركتُ سبعين ممن يقول: قال فلانٌ: قال رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - عندَ هذه الأساطين -وأشار إلى مسجد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فما أخذتُ عنهم شيئًا، وإنّ أحدهم لو ائتمن على بيت مالٍ لكان به أمينًا؛ لأنهم لم يكونوا مِن أهلِ هذا الشأن، وقَدِم علينا ابنُ شهاب، فكنا نَزدحِمُ على بابه".
(3) ابن أبي حاتم الرازي، عبد الرحمن بن محمد، الجرح والتعديل، الطبعة الأولى، (بيروت: دار الكتب العلمية، 1372 هـ 1953 م) ، 1/ 127، وهذا رابط تحميل الكتاب: