فهرس الكتاب

الصفحة 129 من 166

إلى السلاطين) [1] . وجميعُ عِلم (الجرح والتعديل) يَدخلُ تحت هذه الفكرة، بل بَلَغَ العِقاب لِمَن يحاولُ هدمَ صَرْحِ عِلم الحديثِ إلى قتلِه شرَّ قِتلةٍ والقاتِلُ أصحابُ الحديثِ وليس السلطانَ!!، قال بِشرُ بنُ موسى الأَسَدِيّ البغدادي:"سمعتُ يحيى بن معين يقول: ويلٌ للمحدِّثِ إن اسْتَضْعَفَه أصحابُ الحديث، قلتُ له: يَعملُون به ماذا؟ قال: إنْ كان كذوبًا سَرَقُوا كُتُبَه، وأَفسدوا حديثَه، وحَبَسُوه وهو حاقنٌ حتى يأخُذَه الحَصْرُ [أي: بَوْلُه المَحبوس] ، فيَقتلوه شرَّ قِتْلَةٍ" [2] .

الفكرة الثانية: إنّ كثرةَ الكذب والتّزوير تؤدِّي لتكذيب الجميع ورفضِ الكلّ، حيث سيُعامَل الجميعُ معاملةً واحدةً سواءٌ الصادقُ والكاذبُ أو الأصليّ والمُزَوَّرُ، وكي تتضح الفكرة فسأضرب مثالًا واحدًا [3] مشابِهًا حَدَثَ فِعلًا ولكنْ في موضوع مغايرٍ لموضوع بحثنا:

سأضربه مِن سوريا على الرغم مِن أنه ينطبق على جميع دول العالم بلا استثناء؛ لأنني شاهدُ عِيانٍ على بضعِ أمثلة منها، فمِن المعروف أن جميع الشهاداتِ الدراسيةِ التي تُصدِرُها سوريا مقبولة حتى الآن، وهذا على الرغم من وجود آلاف حالات الغشّ على مختلف الأصعدة، ابتداءً مِن غشّ الطالب بإدخال ورقةِ معلوماتٍ مخفيّةٍ إلى قاعة الامتحان، وانتهاءً بالحصول على

(1) الخطيب البغدادي، الجامع لأخلاق الراوي وآداب السامع، 2/ 170.

(2) الخطيب البغدادي، الجامع لأخلاق الراوي وآداب السامع، 1/ 214.

(3) ثمة أمثلة كثيرة، ومِن كافة مناحي الحياة، وإنّ مِن أهمّ العلوم التي انتهتْ أو كادتْ تنتهي في عصرنا الحالي بسبب كثرة الغش والكذب هو موضوع إثبات نسب آل البيت الكرام، فمنذ أيام تحاورنا في إحدى مجموعات الفيسبوك مع بعض علماء آل البيت من آل الكتاني المعروفين وطلبتُ منهم إنشاء هيئة عالمية علمية متخصصة لحصر آل البيت وبالتالي إبطال نسب المدّعين وخاصة بأن هذا الموضوع يتعلق به أحكام فقهية من الصدقات وحتى الخلافة الإسلامية، ولكن للأسف كان جواب آل الكتاني مع بعض النسّابة من غيرهم بأنّ هذا لا يمكن فعلُه بسبب كثرة المُدَّعين الكَذَبَة وكثرةِ الجمعيَّاتِ المُحتالَة المُصَدِّرةِ للشهاداتِ المُزَوَّرةِ بإثباتِ النَّسَب طيلةَ القرن الماضي حتى صرنا اليوم لا نستطيع التمييزَ، فضاعَ حقُّ الصادقين إلاّ بعضَ العائلات المشهورة جدًّا في العالم الإسلامي، فحسبنا الله ونعم الوكيل.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت