معلومٌ أنّ علماء الحديث حريصون على تقوية نوع التلقّي عن المحدِّث، فإن استطاعوا سماع الحديث مِن المحدِّث لا يَنزلون إلى الإجازة به، وكذلك يَحرصون بقوّةٍ على طلب الإسناد العالي، فكلّما علا الإسنادُ قلّ احتمالُ الخطأ، وقد اختلفوا في اعتبار العلوّ: فبعضُهم يَعتبرها بحسب عدد رجال السَّنَد: فمَن كان عنده حديثٌ ثلاثيٌّ أقوى وأعلى إسنادًا ممّن عنده هذا الحديثُ رباعيًّا، وبعضُهم يَعتبرها بحسب ضَبْطِ الرواة: فالرباعيُّ مِن أئمة الضبط أعلى مِن الثلاثي مِن غيرهم، وبعضُهم يَعتبرها بحسب الإمامة في العِلم: فالخماسيُّ مِن أئمة الفقه أعلى مِن الثلاثي مِن سائر المحدِّثين، وهكذا، ولا يُفيدُنا تفصيل هذا، ولكنْ لا بدّ لنا مِن استحضار حرصِهم على تقوية الإجازة ونوع التلقّي:
1.أخرجَ الإمام الخطيب البغدادي الآثار التالية [1] : قال محمد بن أسلم الطُّوسي [2] :"قُربُ الإسناد قُربةٌ إلى الله - عز وجل -". قال الإمام أحمد ابن حنبل:"طَلَبُ إسناد العلوِّ مِن السُّنّة". وسُئِلَ عن الرَّجلِ يَطلبُ الإسناد العالي، فأجاب:"طَلَبُ الإسناد العالي سُنَّةٌ عمّن سَلَفَ". قال عليّ بن المديني:"النزول شُؤم".
(1) الخطيب البغدادي، الجامع لأخلاق الراوي وآداب السامع، 1/ 184 - 187.
(2) هو الإمام، الحافظ، الرباني، شيخ الإسلام، أبو الحسن محمد بن أسلم بن سالم بن يزيد الكندي مولاهم، الخراساني، الطُّوسي، مولده في حدود الثمانين ومائة، توفي 242 هـ، انظر سير أعلام النبلاء، 12/ 195.