الأصل والواجبُ معرفةُ جميع بحوث علم الحديث الشريف، لأنّ الحكم على الشيء فرعٌ عن تَصوّره، فإذا أردنا الحكمَ _مِن الناحية الحديثيّة_ على تفاصيل التعامل مع وسائل التواصل الاجتماعي الحديثة فلا بدّ أن نكون متصوِّرين لجميعِ مباحث هذا العِلم الأصيل الذي نريد إسقاطَ الواقع الحالي على أحكامه.
ملحوظة هامة: في هذا المبحث سأكتفي بالتذكير بالبحوث الحديثيّة التي تَتعلّق بشكل مباشرٍ وأساسيٍّ بموضوعنا، وسأسردُ كثيرًا مِن هذه البحوث بشكل مختَصَرٍ مراعيًا أن يكون الاختصار متناسبًا مع أهمية البحث في موضوعنا، عِلمًا بأنني سأسردُ كثيرًا وليس الجميعَ لأنّ سردَ جميعِ ما له علاقةٌ مباشرةٌ ببحثنا سيحتاجُ لقرابةِ 100 صحيفةٍ فيما أُقَدِّرُ، وما لا يُدْرَكُ كلُّه لا يُتْرَكُ جُلُّه، والله أعلم.
الأصل في السماع أن يَسمعَ الطالبُ قراءةَ الشيخ مِن غير أيّ واسطة مهما كانت: فمثلًا: على الرغم مِن اتساع المسجد الأموي وحضور آلاف الطلاب فيه إلاّ أن الحافظ الخطيب البغدادي كان يَرفع صوتَه حتى يسمعه مَن في آخر المسجد. [1]
الإسنادُ مِن خصائص هذه الأمة: بعضُ طلاب الحديث يَظنّ أن خصوصيّة الأمة بالإسناد يعني مجرّد وجود الإسناد والمسنِدين ومجالسِ الإملاء في ديننا، وهذا صحيحٌ ولكنه ليس كلَّ شيء؛ فإنّ الأهمّ مِن هذا أنّ علماء هذه الأمة لا يحتجّون بأيّ نقلٍ إلاّ إذا كان عندهم به سندٌ مقبولٌ، حتّى إذا كان أحدُ العلماء يَعرفُ الأثرَ ويحفظه ولكنه لا يملك سندًا منه إليه فإنّ هذا العالم لا يُبيح لنفسه الاحتجاج بالأثر حتّى يعثر على سندٍ منه إليه، فهذا المعنى هو المقصود الأهم من كون الإسناد دينًا وأنه من خصائص هذه الأمة، صحيحٌ أننا تقريبًا افتقدنا هذا المعنى في العصور
(1) الذهبي، سير أعلام النبلاء، 18/ 278، بلفظ:"كان إذا قَرَأَ الحديثَ في جامعِ دمشقَ يُسمَعُ صوتُه في آخرِ الجامع".