المرحلة الخامسة: مِن 200 هـ حتى 300 هـ، وهي القرن الهجري الثالث: لقد بلغ علم الرواية والمرويات في هذا القرن القمّةَ العليا،"التي لا يمكن أن يُزادَ على منهجها في النقل والنقد" [1] ، وفي هذه المرحلة أُلِّفتْ الكتب الستة ومسند أحمد ومصنف ابن أبي شيبة وسائر كتب الحديث الأمّات، وتتميز هذه المرحلة بعدم الخوف من ضياع السُّنة، والتأكيد على المحافظة عليها ونشر الصحيح منها، مع العناية بترتيبها بحسب الغاية منها، فمثلًا جَمَعَ الإمام أبو داود السجستاني سُننه مرتَّبةً على أبواب الفقه تيسيرًا للفقهاء المستنبطين للأحكام الشرعية.
المرحلة السادسة [2] : من 300 هـ حتى عصرنا هذا: في بداية هذه المرحلة انتهتْ الروايات الشفهية، وانتهت مرحلة تدوين الكتب، وانتهتْ المرحلة التي اكتملتْ فيها علوم المصطلح والجرح والتعديل وأنواع التلقي والرواية وغيرها، وبدأ الزمن الذي لا يروي فيه الراوي إلاّ المروياتِ الموجودةَ في الكتب، ولم يَعُد يُسمَح لأيّ راوٍ أن يَدّعي وجودَ روايةٍ شفهيّةٍ لديه غير مكتوبة في أحد كتب الحديث، وهذه نقطةٌ هامةٌ ومرحلةٌ مِفصلية [3] ، ثم استمرّتْ هذه المرحلة حتى عصرنا الحالي، وهذا يعني أنه منذ عام 300 هـ تقريبًا حتى الآن وعلومُ الحديث في مرحلة الهبوط والتراجع عمومًا، وهذا واضحٌ لمن يقرأ تراجم الرواة وسِيَرَهم عبرَ العصور المتلاحقة.
ملحوظة هامة حول هذه المرحلة: يظنّ البعض بأنّ عِلمَ الحديث نَضَجَ واحترَقَ، وأنه لا فائدة من التصنيف والكتابة والإبداع في هذا العلم، وهذا الفهم خاطئ
(1) هذه العبارة منقولة حرفيًّا؛ لأهميتها البالغة.
(2) فرّق الدكتور الشريف العَوني بين القرن الرابع فجعله مرحلةً، وبين القرن الخامس فما بعدَه إلى عصرنا فجعله مرحلةً، وبما أنّ التفريق لا يخدمنا في بحثنا هذا لذلك فقد جعلتُهما مرحلةً واحدةً ودمجتُ خصائصَهما.
(3) يجب التأكيد على هذه الجملة؛ لأنها جوهرية لِتَصوّر المراحل.