فهرس الكتاب

الصفحة 35 من 77

فمن أين للمستشرقين أن يفتروا ما ليس في المصادر التي استقوا منها فيزعمون زورًا وبهتانًا أنّ النبي صلى الله عليه وسلم قد تلقّى القرآن الكريم أو شيئًا منه عن الراهب القابع في صومعته سنين! أليس هذا يمثلّ قمة الخيانة العلمية، والتشويش على وقائع التاريخ؟

ثم إذا نظرنا إلى حيثيات اللقاء الذي تم بين النبي صلى الله عليه وسلم والراهب بحيرى، حيث كان النبي صلى الله عليه وسلم في رفقة عمّه أبي طالب، وهما في طريقهما مع بقية التجار إلى الشام، فسرعان ما ينكشف أمامنا عدم واقعية ما ادّعاه المستشرقون من جعل بحيرى مصدرا للقرآن الكريم.

فلم يكن النبي صلى الله عليه وسلم قد بلغ من العمر حين وقع هذا الحدث العابر سوى اثني عشر عامًا [1] ، وقيل: تسعة أعوام فقط [2] . فأنى لغلامٍ أُمّيٍ لا يقرأ ولا يكتب، أن يتعلّم، وهو في هذا السن المبكّر من العمر [3] ، كل هذه القصص والمواعظ والعِبَر، وفوق ذلك أحكامًا وشرائع تنظّم شؤون الدنيا والآخرة بأدق التفاصيل.

أضف إلى ذلك أنّ هذا اللقاء لم يدم لا لسنةٍ، ولا لشهر، ولا ليوم كامل، وإنّما كان حدثًا عرضيًا لم يدم إلا لدقائق، أو لساعات قلائل في أعلى التقديرات [4] . فكيف يذهب المستشرقون بحدث كهذا مذاهب شتّى، حتى جعلوا منه مدرسةً لتعليم ديانة متكاملة مستوفاة؟! [5]

(1) انظر: البداية والنهاية لابن كثير 2/ 323.

(2) انظر: تاريخ الأمم والملوك للطبري 1/ 519.

(3) إلى درجة أنَّ التجار الذين كانوا مع عمّه أبي طالب لم يروا مناسبة حضوره مأدبة الراهب بحيرى أول الأمر - لصغر سنّه- فتركوه خلفهم، ثم أحضروه بعد ذلك بعد إصرار الراهب على حضوره (سيرة ابن هشام 1/ 320) .

(4) واقرأ تفاصيل القصة في سيرة ابن هشام 1/ 319 - 322، و تاريخ الأمم والملوك 1/ 519 - 520، و البداية والنهاية 2/ 283 - 286.

(5) انظر: التزوير المقدّس، للدكتور عبد الودود شلبي ص 103.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت