توجّه عدد من المستشرقين نحو دراسة متخصصة عن القرآن الكريم، لا سيما ما يتعلّق منه بالتشريعات المختلفة، فوجدوها نظامًا كامل البنيان، ثابت الأركان، قوي الحجّة والبرهان. فحينئذٍ -من منطلق النظرة الدونية لشعوب الشرق عامةً، والمسلمين منهم خاصةً- قرّروا دون تردّدٍ أنّ هذا البنيان الفقهي المحكَم لا بد أن يكون ثمة مؤثرات خارجية، منها قد استُمدّ، وإليها يستند. حتّى شككوا في اسم (( القرآن ) )نفسه؛ فزعموا أنّه ذو أصل عبراني، وأنّ النبي صلى الله عليه وسلم كاد أن يكون يهوديًا [1] !.
ثم وجدوا أنفسهم في حيرة من تحديد المصدر أو المصادر الخارجية المزعومة لهذه التشريعات القرآنية، فصاروا في ذلك فرقًا وأحزابًا، كل حزبٍ بما لديهم فرحون.
إلاّ أنّهم وإن اختلفوا في تحديد ما يزعمونه مصدرًا للقرآن الكريم وما تضمّنه من التشريعات، فقد اتّفقوا جميعًا على إنكار المصدر الإلهي له. وكان المتطرفون منهم ينسبون ما جاء في القرآن الكريم إلى النبي محمد صلى الله عليه وسلم صراحةً، بنحو قولهم: (( قال محمد في القرآن ) ) [2] . وآخرون يؤْثرون اللجوء إلى أساليب المكر والخداع، وسرعان ما يكتشف أي متأمل للنصوص وفحواها أنّ ما يرمي إليه هؤلاء لا يختلف في شيءٍ عما يقصده أولئك. ومن ذلك ما صرّح به وليام مونتغمري وات من أنّه يتعمّد استخدام عبارة
(1) هذا ما قاله المستشرق اليهودي المتعصب: أبرهام كاتش الذي كان أستاذ كرسي الثقافة اليهودية في جامعة نيو يورك يومًا ما. انظر كتابه: Katsh, Abraham, Judaism in Islam, pp. xviii, xxv .
(2) وهذه العبارة موجودة في مواضع كثيرة من دائرة المعارف اليهودية (Encyclopedia Judaica) وغيرها.