وفوق هذا كلّه، فإنَّ الراهب بحيرى في هذه القصة هو مَن أبدى إعجابه الشديد بالنبي صلى الله عليه وسلم، لما رأى فيه من علامات النبوة وأمارات الرسالة الإلهية، فقال محذّرًا عمَّه أبا طالبٍ: (( فارجع بابن أخيك إلى بلده، واحذر عليه يهود، فوالله لئن رأوه وعرفوا منه ما عرفتُ ليبغنه شرًّا؛ فإنه كائنٌ لابن أخيك هذا شأنٌ عظيمٌ ) ) [1] . فإذا ما أردنا تحليل هذا الموقف تحليلًا علميًا أو نفسيًا صحيحًا، نجد أنّ الأقرب أن يكون بحيرى هو مَن يتطلع إلى التعلّم من النبي صلى الله عليه وسلم، لا العكس، والله تعالى أعلم.
وهذه هي الأخرى حجّة واهية، وهاء بيت العنكبوت لو كانوا يعلمون؛ إذْ لا يمكن تصوّر كون هؤلاء هم معلّميه ثم يظلّون أتباعًا له منقادين لأوامره ونواهيه بكل إخلاصٍ حتى فارقوا الدنيا [2] .
ولما ضرب أحدُ الكفار مولىً له -كان نصرانيًا فأسلم- متّهما إياه أنّه هو معلم محمدٍ ما يقوله، ردّ بكلام واضح لا لبس فيه ولا متعلَّق لأي طامعٍ، مستشرقًا كان أو غيره، فقال: (( لا والله، بل هو يعلّمني ويهديني ) ) [3] .
ولو كان ما يدّعيه المستشرقون حقًّا لمّا امتنع هؤلاء من إعلانه على الملأ وإخبار الناس بالحقيقة. فها هو واحد منهم: عدي بن حاتم رضي الله تعالى عنه سمع النبي صلى الله عليه وسلم يتلو قول الله تعالى: {اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ} [التوبة: 31] ، فقال: (( لم يعبدوهم يا رسولَ الله ) )، فحينئذٍ بيّن له النبي صلى الله عليه وسلم ما كان خافيًا عليه من أنَّ اتّباع هؤلاء الأحبار والرهبان في تحليل ما حرّم الله وتحريم ما أحلّه هو عين عبادتهم [4] .
(1) سيرة ابن هشام 1/ 322.
(2) انظر: Ali, M.M. op.cit., p.39.
(3) انظر: تفسير القرطبي 10/ 177، والرجل المشار إليه كان اسمه: جبر، مولى الفاكه بن المغيرة.
(4) راجع: تفسير الطبري 10/ 114، و تفسير ابن كثير 2/ 349.