فهرس الكتاب

الصفحة 54 من 77

أنّ ديننا منهج حياة متكامل يتكفل لا بالجوانب الدينية للإنسان فحسب، بل بها وبسائر جوانب الحياة المختلفة؛ اقتصاديةً كانت أو اجتماعية أو تربوية أو سياسية. وليس كملّة هؤلاء القوم التي (( تُعطي ما لقيصر لقيصر، وما لله لله [1] ) ، فكل شيء عندنا معشر المسلمين لله، ولا شيء يخرج عن إرادته كونًا أو شرعًا.

ثالثًا: وأما عن الزعم بأنّ موقف القرآن والنبي صلى الله عليه وسلم من التجارة قد تبدّل نتيجةَ التأثّر بالفكر الزهدي النصراني، فقد سبق أن ناقشتُ مسألة دعوى التأثر بالنصرانية أو غيرها فيما مضى بما فيه غنية إن شاء الله [2] ، وأضيف هنا أيضا ما يلي:

1 -أنَّ المستشرقين أنفسهم قد تناقضوا في هذا الزعم، ففي حين يدّعي هيفينينغ -زورًا- أنّ السبب هو التأثر بالفكر النصراني الذي لا أساس له كما تقدّم، يرى روبرتس أنّ السبب إنّما هو ما لوحظ من الحماس الزائد لدى بعض المسلمين في مزاولتهم الأعمال التجارية. فهل من داعٍ لكل هذا التخرّص والتخمين، ومن ثم التناقض والتعارض، وسبب نزول الآية واضحٌ ومعلوم كما سيأتي ذكره؟

2 -ثم إنَّ مَن يعرف حالَ رؤساء الكنيسة وأقطابها في العصور الوسطى [3] ، ولا سيما فيما يتعلق بحب المال والانغماس في الحياة المادية، يتعجّب من دعوى هيفينينغ

(1) وهذا نص ما جاء في كل من: إنجيل مرقس 12/ 17 و إنجيل متّى 22/ 21، و إنجيل لوقا 20/ 25، من الأناجيل الأربعة المقدسة لدى النصارى.

(2) راجع: المبحث الثاني من البحث.

(3) القرون أو العصور الوسطى في العالم النصراني، (( Medieval Ages ) ): مصطلح تاريخي يطلق على الفترة الزمنية التي كانت بين سقوط الحضارة القديمة وقيام الحضارات الحديثة. ومن الجدير بالذكر أن المؤرخين لم يتفقوا على تحديد تاريخ بداية هذه القرون أو نهايتها. وحاصل ما قيل فيها يتراوح بين عام 250 م وعام 1517 م أو 1550 م. (انظر: الدائرة البريطانية 15/ 403، و الدائرة الأمريكية 19/ 38(أ) ، و دائرة المعارف الكاثوليكية الجديدة 10/ 951، و تاريخ المسيحية (المسيحية في العصور الوسطى) لجاد المنفلوطي ص 3).

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت