عددًا منهم - على عكس المجتمع المكّي - ناسب أن يُزاد في النهي عن هذه الآفة وتنويع الخطاب في ذلك مبالغةً في التحذير. والله تعالى أعلم.
3 -وفوق هذا كلّه، فمن المعلوم أنّ شرائع الإسلام أتت متدرّجةً لحكمة إلهية بالغة. حيث لم تُشرع الشرائع الإسلامية دفعةً واحدةً، بل جاءت بالتدرج على مدى السنين الثلاث والعشرين التي قضاها النبي صلى الله عليه وسلم يدعو الناس إلى دين الله ويعلّمهم شرائعه. فالنهي عن الربا، وإن كان ذلك مهمًا، إلاّ أنّه لا يبلغ في الأهمية مسألة النهي عن الشرك الذي كان متفشيًا بين العرب الجاهليين آنذاك. فلا غرو إذًا أن نجد النهي عن الربا يتأخر بعض الشيء عن النهي عن الشرك بالله تعالى والأمر بتوحيده وعبادته وحده. ولا علاقة لذلك البتَّة بتخمينات المستشرقين الذين يحاولون دوْمًا أن يجعلوا من الحَبَّة قُبّة، بل الأمر كله قد حصل وفق إرادة الله الخالق الذي يعلم ما الذي يصلح لعباده، ومتى؟ وكيف؟ {أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ} [الملك: 14] .
ثانيًا: أما قول شاخت أيضًا إنّ الربا المحرّم في القرآن الكريم هو ربا القروض، وأنّ ما عدا ذلك فتطورٌ جاء بعد عهد النبي صلى الله عليه وسلم، فلي معه في هذا وقفات:
1 -أنّ هذا الرجل -كما رأينا- هو من أكثر المستشرقين اهتمامًا بالجانب التشريعي في الإسلام، وقد اعترف أقرانه له بطول الباع ودقّة التخصص في هذا المجال، ولا أدلّ على هذا من كون معظم المواد المتعلقة بالفقه الإسلامي -إن لم يكن كلّها- في دائرة المعارف الإسلامية (الاستشراقية) من وضعه هو.
لكن ما أودُّ الإشارة إليه ههنا أّن هذا الرجل الذي يُدّعى له العلم والمنهجية العلمية ودقة التخصص .. الخ، نجده كثيرًا ما يكون أسلوبه أبعد ما يكون عن الأسلوب العلمي، شأنه شأن مستشرقين آخرين ممن سبق الحديث عن مناهجهم في المبحث الأول؛ إذ كيف يُعقل أن يلجأ (( عالمٌ ) )إلى أسلوب التخمين والتقدير العشوائي -كما صنع