هب أنّهم لم يفعلوا، فكيف يُظن بكفار قريش وغيرهم ممن رفضوا الدخول في دين الإسلام من عرب الجزيرة، وحاربوه بكل ما أوتوا من قوة ومال وولد. كيف يُظن بهم أنّهم يغفلون عن إقامة الحجة على النبي صلى الله عليه وسلم وإفحامه بذلك إن كان فعلًا قد اقتبس شيئًا من اليهود الموجودين آنذاك. ولا ننسى في هذا السياق أّن هؤلاء الكفار قد تحالفوا وتآمروا مع اليهود عسكريًا وفكريًا ضد النبي صلى الله عليه وسلم في أكثر من موقف. حتى إنّ قريشًا كانت تبعث رسلًا ليأتوا من اليهود بأسئلة تعجيزية يطرحونها على رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو في مكّة [1] .
فلو كان بأيديهم هذه الحجّة لم يكونوا ليفوتوا الفرصة على أنفسهم، ثم بدلًا من ذلك يرمونه بأنّه إنما يتعلّم قرآنًا عربيًّا في غاية من الفصاحة والبيان من رجل أعجمي لا يكاد يُبين! كما حكى لنا ذلك القرآن الكريم، مفنّدًا زعمهم هذا، ومبيّنا أنّه لا يتفق مع المنطق السليم. قال تعالى: {وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ لِسَانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وَهَذَا لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُبِينٌ} [النحل: 103] .
وهذه هي الأخرى لا حجّة فيها للمستشرقين، وبيان ذلك كما يلي:
1 -أنّ ما بين لقاء النبي صلى الله عليه وسلم ورقةَ بن نوفل وبين وفاة الأخير فترة وجيزة جدًا [2] . ويبعُد - بل يستحيل - أن يكون النبي صلى الله عليه وسلم قد تعلّم منه خلال هذه المدّة هذا الكتاب العظيم، بكل ما اشتمل عليه من تفاصيل دقيقة عن شؤون الدّين والدنيا.
(1) راجع ما قاله أئمة التفسير كالبغوي، وأبي السعود، والسيوطي (الدر المنثور) وغيرهم في سبب نزول قول الله تعالى: {وَلَا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ} [الكهف: 23 - 24] . وانظر كذلك: السيرة النبوية في ضوء المصادر الأصلية، للأستاذ الدكتور مهدي رزق الله أحمد 1/ 199 (الطبعة الثانية) .
(2) هذا ما ثبتت روايته بأقوى الأسانيد وأصحها. انظر: صحيح البخاري 1/ 4، و 4/ 1894.