فهرس الكتاب

الصفحة 5 من 77

المبحث الأول

الخطاب الاستشراقي - منهج علميّ أم مخطَّط تنصيريّ؟

الاستشراق ظاهرة من أهم الظواهر التي أشغلت بال الكثيرين في الأوساط العلميَّة، لا سيما في القرنين الأخيرين.

لم يأت الاهتمام بالاستشراق من فراغ، بل يرجع إلى ما انطوت عليه الظاهرة نفسها من عجائب، وإن شئتَ فسمّها تناقضات؛ عالِمٌ غربيٌّ أعجمي لا يدين بالإسلام، يتفرّغ لدراسة كل ما له صلة بالإسلام والمسلمين! وليت الأمر توقف عند هذا الحدّ، لكنّه تجاوزه. فإذا بالمستشرق يتصوّر نفسه علاَّمة في علوم المسلمين، يجب عليهم أن يأخذوا عنه الطريقة الصحيحة لتفسير كلام ربّهم، والفهم الصائب لأحاديث نبيّهم، والمنهج القويم في استنباط أحكامهم، بل وتحليل ما جرى من وقائع وأحداث في عهود أسلافهم. كل ذلك تحت ستار ما أسموه بالمنهج العلمي لدراسة النصوص الدينية، أو تحليل الوقائع التاريخية.

فكان مما انتهى إليه سلوك هذا المنهج الغربي المستحدَث: محاولة تقويض أسس دين المسلمين، بالطعن في كتابهم تارةً، وبالقدح في نبيّهم تارةً أخرى، وبالتشكيك في كل ما هو منصف في حق الإسلام و أتباعه تارةً ثالثة. حتى قال أحدُهم وهو يأخذ على مستشرقٍ آخر تطرُّفَه في هذا الاتجاه: (( لقد استخدم لامانس [1] معيارين: أيّ شيءٍ معاد للإسلام أو للنبي [صلى الله عليه وسلم] يجب أن يكون صحيحًا، وأيّ شيء في صالحهما، يجب فحصه بنظرة دقيقة ) ) [2] .

(1) الأب هنري لامانس (H. Lammens) : مستشرق بلجيكي ستأتي ترجمته قريبًا.

(2) الاستشراق والاتجاهات الفكرية في التاريخ الإسلامي- دراسة تطبيقية على كتابات برنارد لويس، للدكتور مازن ابن صلاح مطبقاني ص 599.

وقد جاء هذا التصريح من خلال لقاء المؤلف بالمستشرق برنارد لويس في 21/ 10/1988 م بالولايات المتّحدة الأمريكية، حيث مقر إقامته وعمله.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت