لقد حوت النصوص السابقة جملة أمورٍ تعبّر عن الرؤية الاستشراقية لما شرعه الله تعالى في القرآن الكريم لعباده من عقودٍ تتصل بعلاقة بعضهم ببعض بيعًا وشراءً. ولعل أبرز تلكم الأمور ما يلي:
1 -أنّ تأثر التشريع المالي الإسلامي ليس بأعراف وتقاليد الجاهليين فحسب، بل وحتى بالقوانين السائدة في المجتمعات التي دخل أهلها في الإسلام في مراحل لاحقة.
2 -أنّ القرآن الكريم كثيرًا ما يشير إلى مسائل البيع والشراء، بل ويستخدم مصطلحات تجارية للتعبير عن أفكار دينية، وذلك نتيجةً لهيمنة التجارة على المجتمع المكّي قبل الإسلام.
3 -أنّ هذا التشجيع والاهتمام بالتجارة قد تقلّص أو تبدّل نتيجة التأثّر بالفكر الزهدي النصراني.
هذه خلاصة ما جاء في كلام المستشرقين، وإليكم مناقشة ذلك كله فيما يلي:
فقد تقدمت مناقشة ذلك مع ضرب أمثلة للعقود المالية الجاهلية التي ألغاها الإسلام نظرًا لما تشتمل عليه من ظلمٍ واعتداءٍ. ولا أرى ضرورةً لإعادة الكلام هنا فليراجع هنالك [1] .
لكن ما أريد التركيز عليه هنا هو ما زعموا من تأثر التشريع الإسلامي أو اقتباسه من قوانين المجتمعات التي دخلت في الإسلام. لا سيما أنّ هذا الاتّهام يأتي من رجلٍ يُعتبر من أشدّ المستشرقين سعيًا وراء إخراج التشريع أو الفقه الإسلامي من إطاره الحقيقي وإلباسه زيّ القوانين الوضعية. ومن ذلك صنيعه في كتابه (( مدخل إلى القانون الإسلامي ) )حيث عمد إلى تقسيم الفقه الإسلامي على أسس التقسيمات القانونية، مثل: الأحوال الشخصية، المِلْكية، الالتزامات العامة، الالتزامات في العقود خاصةً ... الخ. وهذا التقسيم
(1) انظر: ص 43.