4 -تعبيرات خطابية تشير من جهةٍ إلى أنّ الله تعالى يمنّ على رسوله بما أوحى إليه من أخبار الأمم السابقة، ومن جهةٍ أخرى هي إفحام لمنكري رسالته وإلزام لهم بأنّه إنّما يتلقّى الوحي من لدن حكيم عليمٍ، ومن أمثلة هذا: قول الله سبحانه وتعالى: {ذَلِكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يُلْقُونَ أَقْلَامَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يَخْتَصِمُونَ} [آل عمران: 44] ، وقوله: {وَلَكِنَّا أَنْشَأْنَا قُرُونًا فَتَطَاوَلَ عَلَيْهِمُ الْعُمُرُ وَمَا كُنْتَ ثَاوِيًا فِي أَهْلِ مَدْيَنَ تَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِنَا وَلَكِنَّا كُنَّا مُرْسِلِينَ} [القصص: 45] ، وقوله:
{وَمَا كُنْتَ تَتْلُو مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتَابٍ وَلَا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ إِذًا لَارْتَابَ الْمُبْطِلُونَ} [العنكبوت: 48] [1] .
أما بالنسبة لما تمسك به المستشرقون من الشبهات -وقد سبق إيرادها- فإليكم الأجوبة عنها فيما يلي:
أولًا: شبهة التعلّم من اليهود الموجودين في جزيرة العرب آنذاك
لا ننكر تواجد بعض القبائل اليهودية في الجزيرة العربية حين بُعث النبي صلى الله عليه وسلم، وهذا أمرٌ قد ذكرته كتب المسلمين قبل غيرها. أما كون النبي صلى الله عليه وسلم قد نقل عنهم شيئًا مما في القرآن الكريم أو غيره من تعاليم الإسلام فهذا أمرٌ لا يمكن إثباته بطريقة علمية. وعلى العكس من ذلك، فإن جميع الحقائق التاريخية والعلمية تؤكّد عدم صحة مثل هذا الاختلاق.
فاليهود الموجودون في الجزيرة آنذاك لم يكونوا على ثقافة واسعة في الدّين، ولا على جانب من المعرفة بالدنيا تؤهِّلهم لمثل هذا الدور المزعوم، وإنما كان مستواهم الثقافي والاجتماعي متدنييْن إلى حدٍّ بعيد. وهذا ما ذهب إليه جماهير المؤرخين الغربيين أنفسهم، وقد اعترف بهذا المستشرق اليهودي كاتش وإن أبدى -كما هو متوقّع- اعتراضه على موقفهم هذا [2] .
(1) راجع فيما تقدّم: مفتريات على الإسلام لأحمد محمد جمال ص 15 - 19.