فهرس الكتاب

الصفحة 28 من 77

أو الطلب المقصود بها الرسول نفسه دون المرسَل إليهم. وحين تأتي في القرآن الكريم عبارات كالتي تقدمت (( قُل كذا وكذا ) )علمنا أنّ دور الرسول المبلّغ إياه قد اقتصر على نقله تامًا؛ لفظًا ومعنىً، دونما تصرّف أو إعادة صياغة. ومن جانب آخر، كان ذلك برهانًا على مباينة الأسلوب القرآني لأساليب البشر في أحاديثهم وتعبيراتهم.

2 -أضف إلى ذلك أنّ القرآن الكريم قد اشتمل على عبارات فيها عتاب صريح من الله الخالق، إلى عبده ورسوله محمد صلى الله عليه وسلم، في أمورٍ لا تمس أصل الدّين فاجتهد فيها النبي صلى الله عليه وسلم، ومع ذلك لم يُقَر على اجتهاده لحكمةٍ يعلمها الله تعالى. وليس بمعقولٍ أن نتصور بقاء هذه العبارات العتابية في أكثر من موضع من القرآن الكريم لو كان النبي صلى الله عليه وسلم فعلًا هو واضعه كما يزعم هؤلاء المستشرقون. ومن هذه الآيات قوله تعالى: {عَبَسَ وَتَوَلَّى أَنْ جَاءَهُ الْأَعْمَى وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ يَزَّكَّى أَوْ يَذَّكَّرُ فَتَنْفَعَهُ الذِّكْرَى أَمَّا مَنِ اسْتَغْنَى فَأَنْتَ لَهُ تَصَدَّى} الآيات [عبس: 1 - 6] [1] . وكان بعض السلف رحمهم الله يقولون: (( لو أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم كتم مِنَ الوحي شيئًا، كتم هذا عن نفسه ) ) [2] .

3 -ولئن ثبت عدم كتمانه صلى الله عليه وسلم أو حذفه شيئًا من القرآن الكريم، فقد ثبت بيقين أنّه لم يزد فيه شيئًا كذلك. فعلى الرغم من حاجته الشديدة إلى نزول الوحي في قصة الإفك في أسرع وقت ممكن، فإنّه قد انتظر قرابة شهرٍ قبل أن ينْزل الوحي ببراءة زوجته وأحب الناس إليه. ولو كان القرآن الكريم من صنعه -كما يزعم المستشرقون- لما لزم هذا الانتظار، ناهيك عن المعاناة الشديدة والحرج الذي كان يلاقيه طيلة أيام الانتظار هذه، جرّاء ما كان يتناقله أولئك الذين جاءوا بالإفك أو خاضوا فيه [3] .

(1) وانظر: آيات أخرى في السياق نفسه في: الأنفال: 67 - 68، و التوبة: 43، و 84، والتحريم: 1.

(2) جامع البيان عن تأويل آي القرآن (تفسير الطبري) 12/ 443، والدر المنثور للسيوطي 8/ 417.

(3) راجع التفاصيل في كتب التفسير عند تفسير الآية الحادية عشرة فما بعدها من سورة النور.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت