الحمد لله الذي أنزل على عبده الكتاب ولم يجعل له عوجًا، والصلاة والسلام على مَن أُرسل كافةً للناس بشيرًا ونذيرًا، محمد بن عبد الله، وعلى آله وصحبه، ومن تبعهم بإحسانٍ إلى يوم الدين.
(( إنّ أنجعَ طريقٍ لتحقيق الأهداف التنصيرية ليس بالهجوم المباشر على الإسلام، ولكن بالسماح لأفكار جديدةٍ كَيْ تُفني أصولَه ) )
مقولة غربيّة قديمة [1] ، حاول المستشرقون تطبيقها على أكثر من صعيد، منها ما يتّصل بالأصل الأصيل لهذا الدين، ألا وهو القرآن الكريم. فراحوا يُنقّبون عن مصدرٍ له بعيدًا عن الوحي الإلهي، وذهبوا في ذلك مذاهب شتّى. فمن قائلٍ إنَّه مقتبَسٌ رأسًا من أسفار اليهود والنصارى، وآخر يزعم أنّه قد تُلُقّي شفهيًا من أفرادٍ من هؤلاء، وفريق ثالث يدّعي أنّه ليس إلاّ تدوينًا للأعراف والتقاليد السائدة لدى العرب الجاهليّين!
لقد تناول هذا البحثُ جميعَ هذه الركائز، التي منها ينطلق المستشرقون للطعن في القرآن الكريم عمومًا، وفي تشريعاته على وجه خاصٍ. وتناول بالنقد والمناقشة أيضًا نماذج من أقوال بعض أشهر المستشرقين بهذا الخصوص، وبالتحديد فيما يتّصل بالتشريعات الماليّة في القرآن الكريم. وقبل هذا وذاك، سلّط البحثُ الضوءَ على طبيعة الخطاب الاستشراقي ومناهجه، مبيّنًا الهدف الحقيقي وراء ما يقوله المستشرقون غير المنصفين عن القرآن الكريم، بل وعن الإسلام بوجهٍ عامٍ.
ومما يؤسف له ويندى له الجبينُ أنّ كثيرا من أبناء العالم الإسلامي الذين تتلمذوا على هؤلاء المستشرقين أو درسوا في جامعاتهم قد تأثّروا بادّعاءاتهم الكاذبة، واغترّوا
(1) قالها المستشرق دونكان ب. ماكدونالد (1863 - 1943 م) في: Aspect of Islam, (New York, 1911) p.13.
وانظر: Hussain, Asaf et al. (editors) , Orientalism, Islam and Islamists, p.7 .