والثانية: أو أنّه قد تلقّى شيئًا من ذلك عن ورقة بن نوفل، الذي كان قد تنصّر في الجاهلية.
والثالثة: أنّه قد تعلّمه من الراهب بحيرى الذي تروي لنا كتب السيرة أنه التقى به في رحلة له صلى الله عليه وسلم إلى الشام.
والرابعة: أنّه ربّما استفاد شيئًا من ذلك من بعض أصحابه رضي الله عنهم الذين كانوا قبل إسلامهم نصارى أو على صلة بالثقافة النصرانية، أمثال عديّ بن حاتم، وصهيب الرومي [1] ، رضي الله تعالى عنهما وعن سائر الصحابة.
هذه محاور فرية تأثر القرآن الكريم بما زعموا أنَّ النبي صلى الله عليه وسلم قد تلقاه عن أفراد من اليهود والنصارى. فلنأت الآن إلى مناقشتها، وسيتم ذلك بطريقتين: إجمالية وتفصيلية.
إنّ منشأ الإشكال لدى المستشرقين في المسألة أنّهم بنوا دراساتهم عن أصل القرآن على أساس الحقيقة المرّة التي لم تعد تخفى اليوم على المتخصصين، ألا وهي أنّ ما يسمّى اليوم بالكتاب المقدّس بعهديه القديم [2] والجديد [3] ، لا ينطبق عليه -في الصورة التي هو عليها الآن- كونه وحيًا إلهيًا. وهذا ما اعترف به أحد أعلام اللاهوت النصراني [4] حيث يقول تحت عنوان: (( الكتاب بشري ومع ذلك فهو سماوي ) )، قال: (( نعم، إن الكتاب
(1) هو: صهيب بن سنان النمري، أبو يحيى. قيل له (( الرومي ) )لأنَّ الروم سبوه صغيرا (الإصابة في تمييز الصحابة للحافظ ابن حجر 3/ 449) .
(2) وهو مقدّس لدى كل من اليهود والنصارى.
(3) وهو مقدّس لدى النصارى دون اليهود.
(4) هو الدكتور غراهام سكروجي: الأستاذ بمعهد مودي للكتاب المقدس في شيكاغو بالولايات المتحدة الأمريكية، وأحد مشاهير المنصرين الأنجليكان في العالم.