هذه من أنّ النصرانية الموجودة آنذاك تؤثّر في صرف أحدٍ عن التجارة والسعي وراء المادة. أليس هذا الطغيان المادي للكنيسة جزءًا أساسيا لقيام الحركة الاحتجاجية البروتستانتية التي كان مؤسِّسُها مارتن لوثر يومًا ما يعرض على الناس صورةً للمسيح عليه السلام، وهو يطرد الباعة من الهيكل [1] ، وصورةً أخرى للبابا آنذاك وهو يبيع الغفرانات، وأمامه أكداس مكدّسة من الذهب [2] .
3 -أما عن سبب نزول الآية التي في آخر سورة الجمعة، فهو كما أخرجه الشيخان عن جابر بن عبد الله -رضي الله عنهما- (( أنَّ النبي صلى الله عليه وسلم كان يَخطب قائمًا يوم الجمعة فجاءت عير من الشام فانفتل الناس إليها، حتى لم يبق إلا اثنا عشر رجلًا. فأُنزلت هذه الآية التي في الجمعة: {وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً أَوْ لَهْوًا انْفَضُّوا إِلَيْهَا وَتَرَكُوكَ قَائِمًا} ) ) [3] .
وقد قيل إنّ سبب انصرافهم أنَّهم ظنّوا ألا شيء عليهم في ترك سماع الخطبة، لا سيما وقد ورد في بعض الطرق أنّ الحادثة إنما كانت في زمن كان النبي صلى الله عليه وسلم يقدّم فيه صلاة الجمعة على الخطبة كالعيدين [4] . قال القاضي عياض: (( هذا أشبه بحال الصحابة والمظنون بهم أنهم ما كانوا يدعون الصلاة مع النبي صلى الله عليه وسلم ) ) [5] .
ويؤكّد هذا أنّه لم يُنقل لا برواية صحيحة ولا ضعيفة ولا حتى موضوعة أنّهم قد عادوا لمثل هذا بعد ورود النهي، وصيرورة الحكم الشرعي في الأمر معلومًا واضحًا بالنسبة لهم. ففي مراسيل أبي داود -رحمه الله- أنّ النبي صلى الله عليه وسلم بدأ يقدّم الخطبة
(1) حسب ما جاء في كتبهم المقدّسة، انظر: إنجيل متّى 21/ 12 - 13، و إنجيل مرقس 11/ 15 - 17.
(2) اقرأ ما جاء في: تاريخ المسيحية (المسيحية في عصر الإصلاح) للمؤلف النصراني عزت زكّي ص 58 - 59.
(3) البخاري 1/ 316، و مسلم 2/ 590، واللفظ له.
(4) أخرجه أبو داود في المراسيل بإسناد رجاله ثقات (انظر المراسيل بتحقيق الشيخ شعيب الأرناؤوط ص 105 ح 62) ، وانظر كذلك: تفسير القرطبي 18/ 110، و تفسير ابن كثير 4/ 368.
(5) شرح النووي على مسلم 6/ 152.