فهرس الكتاب

الصفحة 162 من 440

ومع ذلك فحتى إذا كان بعض الناس يجدون في لحياة مأدبة متصلة من النعم فهل من المرغوب فيه أن نستمر في الازدراد من غير ما حساب أو توقف؟ أليس من الأفضل أن نترك المائدة قبل أن يطفح كيلنا، وأن نأوي إلى فراشنا وعلى شفاهنا ابتسامة ونستمتع بنوم لذيذ، كما يفعل الداعي إذا تعب بالرغم من السعادة التي تغمره؟ وإنك لتبكي وتنتحب لأن يومًا واحدًا مشئومًا سوف يسلبك أرباح الحياة ونعائمها كلها. ولكنك تنسى أن تضيف أن هذا اليوم المشئوم عينه سوف يحررك أيضًا من شهوة الحصول على هذه المغانم.

وفي أثناء هذا النوم الذي ينتظرك لن تقلقك الرغبات، ولن تعتريك المخاوف. ولكن ما قولك في الفزع العظيم الذي ينتابك وأنت لا تزال على قيد الحياة؟ أليست فكرتك الراهنة عن فنائك في لحظة آتية أو قل هذا الإشفاق على نفسك من أن تهوي إلى"هاوية العدم"، أليس هذا في حد ذاته سببًا لأعظم ضيق يمكن أن يحيق بك؟

يقول أبيقور إن شيئًا من ذلك لن يقع، إذ قال: ولم تغتمُّ على جثة هامدة لا تشعر بشيء على الإطلاق؟ فأنت لا تنزعج لعدم وجودك قبل أن تولد. فعلام تنزعج، إذن، لعدم وجودك بعد أن تموت؟ إن حياتك ما هي إلا حلم لحظة تمر بين نوم ونوم. والنوم الذي لا تعكر صفوه الأحلام أحلى من الأحلام.

وبالإضافة إلى ذلك فالنوم مهما يكن طوله لا يستغرق إلا لحظة واحدة. ألم يحدث أبدًا أن استيقظت بعد نوم عميق لبضع ساعات وأنت تشعر أنك لم تكد تغمض عينيك؟ إننا نجد في نوم الموت أن هذه اللحظة العابرة من فقدان الشعور تصلح قياسًا لمليون من السنين ولليلة واحدة على السواء.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت