فهرس الكتاب

الصفحة 161 من 440

آلات وأسلحة أفضل. وهكذا أصبحوا أكثرة قدرة على حماية أنفسهم وقتل أعدائهم. وبدأت بعض الجماعات تتبادل البضائع والأفكار - بل واللطمات - مع جماعات أخرى. وبهذه الطريقة تعلموا شيئًا فشيئًا فنون المقايضة، والتجارة، والملاحنة، والزراعة، والشعر، والموسيقى

وهندسة البناء، والسياسة، والدبلوماسية، والمقاضاة، والحرب. وقصارى القول فالمدنية بقضها وقضيضها إن هي إلا عملية نشوء وارتقاء، تمكن الإنسان من أن يكيف نفسه لعالم غير

مضياف، ويعيش لفترة قصيرة في تنازع أبديّ على البقاء. فليست الحياة كلها إلا قتالا متواصلا لا هدنة فيه لأحد إلا بالموت.

وهكذا نترك علم أبيقور ونعود إلى فلسفته. فلنستمع إليه يعلن أننا نستأجر الأرض التي نعيش عليها لفترة قصيرة، فإذا ما حان وقت رحيلنا فإننا نجرد من كل شيء من غير ما إنذار سابق ولو للحظة.

ولكن إذا لم يكن في وسعنا أن نقهر الموت فلا أقل من أن نتغلب على الخوف من الموت. فلنقلع عن الأسى والكدر من أجل قصر الحياة الآدمية. ولنفرح ونهلل بالموت، فإن الشعور ينعدم

بعده."فالموتى في راحة من الألم". ولا ينتظرنا عقاب في جهنم لأي خطأ نكون قد ارتكبناه أثناء حياتنا على الأرض، ويمكننا أن نقول: إن يد الموت البيضاء تقودنا بلطف إلى نوم لذيذ لا تعكر صفوه الأحلام. فما الموت إلا الحارس المحب الذي يوقِّع الإذن بإطلاق سراحنا من عالم المجانين الذي هو هذا العالم، ألا أن الموت لهو الطبيب الرقيق الذي يشفينا من أشد الأمراض

فتكا - وأعني به مرض الحياة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت