فهرس الكتاب

الصفحة 184 من 440

لما كان يسببه له وخز ضميره المرهف الحساسية، متأثرا بلذعات لسان أمه المتزمتة.

وعملا بنصيحة والده، أعد لنفسه ليمتهن تدريس البلاغة -"وهي العلم الذي يمتدح الكذب والزور في كلمات لطيفة كيسة". ولكنه في غير ساعات الدراسة انغمس في شهوات

البدن"متمرغا في وحل بابل؛ فعاشر امرأة من غير زواج رسمي، وولد له ابن غير شرعي. ولما بلغ السابعة عشرة مات أبوه، وأخذت أمه تعنفه على سلوكه، وتصلي من أجله، ولكن دون جدوى."

"فلم يجد تعنيفها أو صلواتها عندي مصغية أو قلبا واعيا".

وهكذا ظل يرتكب جرائم الزنا، ويدنس زوجات الرجال الآخرين، ثم بعلل النفس بالطهر والعفة والورع - في النهاية، ولكن لم يحن الوقت بعد. وبلغت به الدرجة أن كره نفسه لاستمتاعه بهذه الفواكه المحرمة. وبالرغم من ذلك كان يأبى أن يقلع عن هذه العادات. وسمى نفسه"النفس الضالة في بحر من الوحل". ثم لم يجد في نفسه القدرة على الجهاد للوصول إلى الشاطىء. ولعدة سنوات أخذ يدرس البلاغة في موطنه بأفريقيا، واتجه بعدئد إلى روما، ثم ميلان سعيا وراء"الرفعة والربح والثناء". وبالرغم من ذلك كان يسائل نفسه مرارا:"وما الغاية من هذا كله؟".

وبعدئذ حدث أن رأى الحق لأول مرة، فما إن انتهى من إلقاء كلمة يثني به على الإمبراطور الروماني في حفل عام، حتى قوبلت الخطبة المليئة بالأكاذيب بالتصفيق ممن كانوا يعرفون أنه يكذب. فبعد أن ملأه هذا النصر زهوا، أخذ يختال عجبا مع بعض أصدقائه في شوارع ميلان عندما اقترب منهم متسول"يستمتع آنئذ بمعدة مملوءة"فيحاهم بالمزاح وإنشاد أغنية بذيئة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت