فهرس الكتاب

الصفحة 192 من 440

الماضي، ونيويورك أمامه تمثل المستقبل. فمن الخطأ أن نقول إن واشنطون كانت وإن بالتيمور كائنة وإن نيويورك سوف تكون؛ إذ أن ثلاثتها هذه اللحظة كائنة، بالرغم من أن الراكب قد ترك واشنطون ويحلق فوق بالتيمور ولم يصل بعد إلى نيويورك.

فالزمان، إذن، صورة ذهنية محددة لأزلية لا حدود لها. وما العالم الإنساني إلا صورة ذهنية مؤقتة للعالم الإلهي الأزلي.

ذلكم هو العالم الأزلي للإله الأزلي الذي ليس له ماض أو مستقبل، وإنما حاضر لانهائي. كما أن كلمة"الزمان"ليس معنى بالنسبة لوجود الله لأن الله خلق الزمان - أو قل خلق مفاهيم مختلفة للزمان في الأماكن المتباينة - وذلك عندما خلق العالم. أما الله نفسه فليس له زمان ولا مكان. ولقد أدرج الله أرواحنا وكأننا تلاميذ لوقت ما في سجل مدرسة الخلود، وزودنا بالكون كله ليكون لنا كتابا مدرسيا، كما وهبنا كل الأشياء التي في العالم بما فيها أبداننا الفانية لاستعمالها كوسائل تعليمية، فإذا ما انتهت مرحلة تعليمنا هذه فإننا نلقي بكتاب حياتنا الحاضرة وأدواتها جانبا إذ أن أرواحنا لا تكون بعد في حاجة إليها، كما أننا نكون على أهبة الاستعداد للعودة مرة ثانية، مثقفين مطهرين، من أهل الدنيا إلى مدينة الله.

وقد عاش أوغسطين في عصر كله ظلم وبغي وكراهية، وبالإضافة إلى هذا الاضطراب الشامل فقد أصيب بخسارة شخصية فادحة هي موت ولده الذي كان مشغوفًا به ومتعلقًا أيما تعلق. وبالرغم مما كان يعانيه من عذاب نفسي نجد أنه كان يحلق بالمعذبين مثله إلى أجواء عليا سامية يمكنهم فيها أن يدركوا فكرة الخلود، بعيدا عن ضباب الزمان."فما حيلتنا، إذا كان العالم كله مهددا بالموت؟ فلتنصرف إذن إلى عملك خاشعا راجيا، فيحبك الناس ويرضى عنك الله".

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت