فهرس الكتاب
ويجرنا هذا إلى أحد الوجوه الشائقة للغاية من فلسفة أوغسطين - ألا وهو بحثه في معنى الزمان - وبهذا البحث سبق أوغسطين أينشتين في إدراكه لنظرية النسبية. قال أوغسطين في هذا الصدد: إن إدراكك للزمان يتناسب ومكانك في الكون.
وقد يبدو هذا غامضًا، ولكن يمكن إيضاحه في هذه الكلمات القليلة:
الزمان كما نفهمه في عالمنا يقاس بالساعات والأيام والشهور والسنين وما إلى ذلك. وما هذا القياس إلا نتيجة التغير المتواصل لموقعنا بالنسبة للشمس والقمر. ولذا فلا بد أن للأجرام السماوية الأخرى مقاييس أخرى خاصة بها، فالسنة عندنا على وجه الأرض قد لا تكون إلا دقيقة في حركة نجم بعيد.
والزمان في عبارة أخرى، كما صرح أوغسطين، مسألة ذاتية لا موضوعية، إذ ينشأ داخل العقل البشري لا خارجه. وفي الحقيقة ليس الزمان مسألة مدة وإنما هو إحساس مؤقت. فنحن لا يمكن أن نحس إلا باللحظة الحاضرة. أما ما نسميها بالأمس والغد فليسا في الحقيقة إلا قسمين من اليوم. والأمس إن هو إلا ذكرى اليوم عن الماضي، أما الغد فهو أمل اليوم في المستقبل. ولما كان للعقل البشري حدوده النسبية، فقد طور العقل إدراكا للحاضر له وجوه ثلاثة. فنتحدث عن الماضي والحاضر والمستقبل. وأضاف أوغسطين: إن ما نعنيه حقًّا هو أن كل هذه الوجوه الثلاثة للزمان تمثل الحاضر. ولنستمع إليه يقول:"هناك حاضر للأشياء الماضية وحاضر للأشياء الحاضرة وحاضر للأشياء المستقبلة."
ولكي نزيد هذه الفكرة إيضاحًا فلنقارن بين شخص يراقب الزمان ورجل يركب طائرة متجهة من واشنطون إلى نيويورك، مثلا. ولنفرض أن الراكب يحلق هذه اللحظة فوق بالتيمور، فتكون واشنطون خلفه، تمثل