فهرس الكتاب
عصر أرسطو حتى أيام بيكون نفسه. وقد ذكر ماكولي في هذا الصدد:"إن فلسفته قد حركت العقول التي حركت العالم". وبلغ عدد منصفاته ما يزيد على العشرين تناول فيها جميع مناحي الآداب والعلوم والفنون تقريبا، وألقى الضوء عليها جميعا. حتى إنه كتب يقول:"إنني أرى جميع أنواع المعرفة تدخل في دائرة اختصاصي". وكان هدفه أن يلم الناس أطراف المعرفة حتى تتحرر عقولهم. كما جاء في كتاباته:"إن أعظم سعادة يحصل عليها الإنسان هي أن يسمو بعقله فوق مضطرب الأشياء"، إلى الحد الذي يستطيع فيه أن يدرك نظام الطبيعة وأخطاء الناس.
"وإن أفحش الأخطاء لهو مجاوزة الحد المعقول"- وهذه حقيقة قد كشف عنها أرسطو لما يقرب من ألفي عام قبل بيكون. وقد لاحظ بيكون:"أن الإفراط في شهوة السلطان كان سببا في سقوط الملائكة".
وكانت الفكرة التي أقام بيكون فلسفته عليها تنحصر في أن الإفراط في شهوة السلطان إن هو إلا نتيجة للمعرفة القاصرة. وهكذا كانت فلسفته تناقض حياته الخاصة. ولكن ليس لنا أن نتسرع في الحكم عليه. فإن هذا الملك الساقط كان يشعر أن طموحه يقوده إلى حنقه. ومع ذلك سار في طريقه الذي رسمه غير عابىء بالنتيجة. فقد كان عقله عقلا للعصور كلها، في حين كان طموحه من نوع طموح العصر الذي يعيش فيه. فالرشوة كانت متفشية بين أصحاب الكبيرة، أو قل كانت هي القاعدة وما عداها الشذوذ في إنجلترا في عهد الملكة إليزابيث. وكانت مشكلة بيكون - كما تحقق بنفسه - تنحصر في إصراره المسرف على الفوز في الحياة الدنيا. ومن المؤكد أنه كان أنانيا، ولكن هكذا كان أيضًا جميع منافسيه ممن كانوا يسعون وراء الرضاء الملكي