فهرس الكتاب
في علاقتها بأفرادها، هي صاحبة السيادة على كل ملك ومتاع". وذلك لأن الدولة - أي إرادة الشعب الجماعية - لها وحدها الحق في أن تنسج وتدمج خيوط المصالح الفردية في ثوب الصالح العام. فما صوت الشعب إلا صوت الله."
ولكن روسو ختم رأيه هذا بنغمة أساسها التشاؤم عندما صرح بأن حكومة تظللها المساواة الاقتصادية والسياسية كتلك التي رسمت خطوطها الأساسية في"العقد الاجتماعي"لا يمكن تحقيقها إلا في مدينة يقطنها الملائكة."فإن مثل تلك الحكومة الكاملة لا تصلح للبشر". وفي هذا العالم الناقص الذي نعيش فيه يحتمل أن تظل مدينة روسو الفاضلة، شأنها في ذلك شأن جمهورية أفلاطون حلما لسنوات عديدة قادمة.
وما إن ظهر"العقد الاجتماعي"حتى قوبل بعاصفة من الغضب والحنق. ووصم روسو بوصمة الأوغاد. وأصدر ملك فرنسا أمره بالقبض عليه، ولكنه فرّ هاربا إلى جينيف حيث أحرق المجلس الديمقراطي هناك كتابه وهدده بالموت. ولذلك التجأ إلى ألمانيا حيث كادت تفتك به جمهرة من الغوغاء تملكتها ثورة الغضب. فلم يجد بدا من الهرب إلى إنجلترا، وهناك وجد مرفأ العطف وسط أعاصير الكراهية.
وكان روسو في ذلك الوقت قد قاسى الكثير مما أثر في عقله فأخذ يعاني من جنون الاضطهاد إلى حد أنه كان يخيل إليه أن كل من يصادفه إنما كان يحاول قتله.
وفي النهاية دفعه خوفه من أن يقتله أحد إلى أن يقتل نفسه. فمن أقواله قبيل موته مباشرة:"إن عقول الناس تناصبني العداء، لأنني أعلمهم أن ينصتوا إلى قلوبهم".