فهرس الكتاب
وقد أطلق معاصرو فولتير عليه اسم"الفيلسوف الضاحك". وكان يرد على ذلك بقوله:"إنني أضحك حرصا على نفسي من الجنون".
وكانت الحياة في ذلك العصر مليئة بما يدفع الناس إلى الجنون؛ فالأمراء يضيقون الخناق على الفلاحين، والأغنياء يطأون الفقراء بأقدامهم، والصناع يستعبدهم سادتهم ليبدعوا آيات الجمال. والصغار لا يربون لشيء إلا ليكونوا وقودا للحروب التي لا تنقضي. ولقد أعطانا ديديرو، أحد معاصري فولتير، صورة حية لهذا العصر، يباهي فيها لويس الرابع بقصره في فرساي أمام روح جده هنري الرابع، فينظر الملك المسن إلى القصر ثم يهز رأسه علامة على عدم الرضا ويقول:"إنك على صواب، يا بني. فإنه حقًّا لقصر فاخر، ولكن يطيب لي أن أعرض على أنظارك الأكواخ التي يقيم فيها الفلاحون في جونيس (الريف الذي يحيط بفرساي) ؛ إذ يفترش هؤلاء الفلاحون القش ولا يجد الكثيرون منهم سقفًا يظلهم، ولا خبزًا يقيم أودهم".
وقد تمكن فولتير بعبقريته - وأساه - أن يرى جانبي الصورة. وكانت المرارة التي يشعر بها هي التي تثير ما أثاره من زوابع الضحك؛ كما كانت دعاباته تزداد لذعًا بملح دموعه.
وكانت حياته كلها أشبه ما تكون بضحكة صفراوية، أو دعابة تهكمية، وعند ولادته كان ناقصا إلى حد أن توقع الأطباء موته في مدى بضعة أيام. وبالرغم من ذلك امتد أجله حتى جاوز الثمانين من عمره، وكرس حياته للهزء بالاستبداد والخرافات بغية تخليص العالم منها. فأكمل بسخريته المهمة التي كان روسو قد بدأها بنقده، ويحكى أن لويس السادس عشر، قبيل إعدامه مباشرة