فهرس الكتاب
نحو خمس أقدام، مفلطح الصدر، بارز البطن، محدب الكتفين، يميل رأسه إلى جانب. كما عرف بقبعته الرمادية وسترته الرمادية وعصاه الرمادية التي كان يدق بها دقات توقيعية عندما كان يتجه إلى الطريق الذي تكتنفه أشجار الزيزفون، والذي كناه أهل كونجسبرج باسم"نزهة الفيلسوف". وكان يدلف وراءه خادمة الكهل الأمين"لامب"حاملا مظلة لكي يقي بها سيده إذا ما فاجأه هطول المطر، مع أن ذلك الخادم نفسه كان في حاجة إلى من يقيه كما كان هو يقي كانت. ومن أجل لامب هذا، كما سنرى فيما بعد، كان الفيلسوف يتوق إلى خلق دين وإله.
ولد كانت في كونجسبرج في بروسيا. وإذا استثنينا فترة قصيرة كان يعمل فيها مدرسا في قرية مجاورة، فإنه لم يغادر مسقط رأسه بجسده وإن كان عقله قد طاف بأرجاء الكون كله. وكان أسلافه من أصل اسكتلندي - ألماني. وكان أبوه يعمل في صناعة أشرطة من الجلد كثيرًا ما استخدمها في تربية أطفاله الأحد عشر.
فقسا ليزدجروا ومن يك حازما ... فليقس أحيانا على من يرحم
أما أمه فكانت تتمسك بأهداب الدين تمسكا دقيقا شديدا فعملت على سربلة أطفالها بقيود الطقوس الدينية الصارمة. وكرد فعل لتربية كانت الدينية المتطرفة في طفولته ابتعد عن الكنيسة في رجولته. وبالرغم من ذلك كان يشعر دائما بتعطش إلى إدراك العناية الإلهية بطريقته الخاصة التي لا يتبع فيها السلف.
وقد أدى به هذا الشغف إلى دراسة الفلاسفة الشرقيين فتأثر بهم تأثرا عميقا. ولكنه لم يعثر على مفتاح تأملاته الشخصية إلا بعد أن قرأ كتابات روسو.