فهرس الكتاب

الصفحة 289 من 440

وجرفه لعدة سنوات في تيار الشك الميتافيزيقي."لقد شاء لي حسن الطالع أن أكون عاشقا للفلسفة، ولكن معشوقتي لم تطلعني حتى الآن إلى على القليل من حسنها".

وكان تقدمه المادي بطيئا كتطوره العقلي. فقد بدأ يمتهن التدريس في عام 1755 كمحاضر خاص في جامعة كونجسبرج. وظل يعمل أربع عشرة سنة قبل أن يرقى إلى منصب أستاذ المنطق والميتافيزيقا. وكان هادئا ضئيلا أحدب الظهر لا يكاد يصل صوته الخافت إلى المقاعد الخلفية في حجرة الدراسة. وكان يفضل، كما قال، أن يدرس للطلبة ذوي القدرات المتوسطة."فالعباقرة لا يحتاجون إلى معونتي، والأغبياء لا تجدي معهم أي معونة". وكان زملاؤه من بين أعضاء هيئة التدريس ممن كانوا أكثر منه نجاحا يعلقون بأنه كان حقا مدرسا وسطا يصلح للعقول الأوساط.

وهكذا كان"كانت"مدرسا مغمورا، كما كانت اثنتان من شقيقاته تعملان خادمتين. فلم يكن في أسرة"كانت"إذن، ما يهتز له العالم. ولم يتوقع أحد منه أن يثير عواطف الناس وحماستهم. فقد كانوا يصفونه بأنه الرجل الذي يستخدم الألفاظ الضخمة - الألفاظ التي يبلغ طولها ست أقدام - للتعبير عن أفكار تافهة. حتى إن أحد تلاميذه علق على ذلك بقوله:"إنه يحملنا عبر بحر لا شاطىء له في سفينة لا شراع لها". وقد كان مدرسا أبعد عمقا مما يعمق إليه تلاميذه، وأبعد اهتماما مما يهتم له هؤلاء التلاميذ. أو ما يهتم له أي فرد آخر.

فلم يكن أحد أن هذا الرأس المتواضع الضئيل يضم بين جوانبه من الأفكار بركانا يغلي. ولم يقذف البركان بحممه من الأفكار إلا عندما بلغ

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت