فهرس الكتاب
كان من الطبيعي أن ينتهي الأمر بشوبنهاور إلى ما انتهى إليه من تشاؤم؛ فقد عاش في عالم من الخرائب والأنقاض. فكان عصره شبيهًا بعصرنا. وفي عام 1819 نشر ملحمته في اليأس، ألا وهي كتاب"العالم كإرادة وفكرة"وكانت أوروبا في تلك الحقبة قد تحولت إلى مجزر تساق فيه الماشية الآدمية المذعورة من مذبحة إلى أخرى، وبدت الإنسانية وكأنها قد فقدت اتزانها فكان القادة العميان يقودون أتباعهم العميان إلى التهلكه جمعًا. أما إرادة القوة، التي تجسدت أولا في روبسير ثم بعدئذ في نابليون، فكانت قد انتهت بكارثة شاملة. وحتى الحلف المقدس الذي كونه القيصر إسكندر، والذي كان من المفروض أن يقيم الأخوة الإنسانية على دعائمها، قد ثبت أنه لم يكن سوى استعباد للجنس البشري تحت سوط الاستبداد.
ولقد نشأت فلسفة شوبنهاور نتيجة لما لاحظه من ميل المعتدين إلى فرض إرادتهم على إخوانهم في البشرية. فأعلن أن إرادة القوة هي أكبر شر في العالم. لأن العالم، كما بدا له، لا يدبر شئونه إله محب للخير، بل يتولاه شيطان خبيث. وهذا الشيطان، او قل روح الشر، قد فرض علينا الوفاء الشامل - هو إرادة قاهرة لنحيا، ونخدع ونسرق، ونقتل الآخرين في كفاحنا للرقي بحياتنا.
وقد عاش شوبنهاور شخصيًّا من سلطة البغي، فلم يذق مرارة هذه التجربة عندما دمرت أوروبا فحس، بل ذاقها أيضًا عندما أحبطت رغباته الشخصية. فقد حاول أبوه، وكان تاجرًا ناجحًا أن يقحمه في ميدان التجارة ليكون