فهرس الكتاب
تاجرًا مثله. ولكنه لم يطق التجارة. وفضل هدوء مكتبه على ضوضاء السوق.
وحتى بعد موت أبيه - منتحرًا كما كان الاعتقاد الشائع - لم يجد شوبنهاور راحة البال؛ إذ كانت أمه، التي اشتهرت بنبوغها في كتابة القصة، تشتعل غيرة جنونية من براعة ابنها الأدبية - وقالت في هذا الصدد متسائلة:"من ذا الذي سمع في وقت من الأوقات بظهور نابغتين في أسرة واحدة؟"وتشاجرا وانفصلا ثم التأم شملهما، مرة بعد أخرى، إلى أن حدث في آخرة مرة أن دفعت الأم ابنها على درج السلم. (ولحسن الحظ لم يصب بسوء) . فكان أن قذف الابن بهذه الإهانة المرة في وجهها."ليس في أسرتنا سوى نابغ واحد فحسب. ولن تقوم شهرتك آخر الأمر على قصصك، بل ستقوم على فلسفتي".
ولم تلتق لأم والابن بعد ذلك قط. وهكذا أصبح مقت شوبنهاور للسلطة وازدراؤه للنساء المادتين الأساسيتين اللتين بنى عليهما مذهب التشاؤم.
وفي أثناء سني دراسته الجامعية ازدادت حدة هذا المقت وذلك الازدراء، فكان ينفر من غطرسة أساتذته التي لا يحيدون عنها، كما كان الأساتذة بدورهم ينفرون من وقاحة تلميذهم التي لا يحيد عنها. وما إن وقع في الغرام حتى كان نصيبه الصد باعتباره"جلفًا يعوزه الخيال". ثم حاول لفترة من الزمن أن يلعب دور المضيف مع جيرانه - إذ كان أبوه قد خلف له دخلا موفورًا - ولكن هؤلاء الجيران كانوا يتقبلون أنخابه وينبذون أفكاره. وهكذا ارتد إلى نفسه وحيدًا، مكتئبًا شاكًّا، ساخرًا، كالقنفذ الآدمي الذي كما ورد في استعارة شوبنهاور نفسه يبعُدُ عن الناس إلى الحد الذي يكفيه لاجتناب دفء صداقتهم، ويقترب منهم إلى الحد الذي يمكنه من وخزهم بأشواك سخريته.