فهرس الكتاب
"فالإنسان لا يصادقك إلا للحصول على شيء من ورائك. والصديق وقت الضيق ليس هو الصديق الحق - فإنه لم يلجأ إليك إلا ليقترض نقودك".
وعاش شوبنهاور في وحدة قاسية. وكان يحكم بإغلاق كل باب للمحافظة على ماله وأدواته، كما كان يحلق ذقنه بنفسه، لأنه قال:"إنني لا أرضى أن أسلم عنقي لموسى رجل آخر". ولم يَنَمْ ليلة من غير أن يحشو غدارته التي كان يضعها تحت وسادته. وكان يهزأ بالمحادثة ويعدها"نقنقة لا معنى لها". كما كان لا يطيق أي نوع من الضوضاء."فكلما ازداد احتمالك للضوضاء، نقصت درجة ذكائك ... الضوضاء تعذيب لكل من يعمل بعقله من الناس".
ومع ذلك فقد كان هناك صوت واحد يتوق بجنون إلى سماعه - وهو صوت الثناء على فلسفته وامتداحها. ولكنه حرم هذه اللذة لسنوات عدة، ولم يكن لكتبه إلا وقع الريش على بحر هادىء. وبيعت الكثرة العظمى من مؤلفاته ورقا تالفا. فجرحت كبرياؤه جرحا عميقا نتيجة لهذا الإهمال والإغفال. ولكنه لم يعدم ردا سريعا يعلل به ما حدث. أو لسنتمع إليه يقول:"ما الذي نتوقعه؟ إن الكتاب مرآة عقل القارىء، كما هو مرآة عقل الكاتب أيضا. فإذا نظر فيه حمار، فلا تتوقعن أن يظهر من صفحاته ملك".
ولفترة قصية حاول أن يحاضر في فلسفته، وأن يكتب في الوقت نفسه، فقبل منصب محاضر في جامعة برلين. ولكنه كان يلقي محاضراته وليس أمامه إلا مقاعد خاوية.
وهكذا حنق على المجتمع وانتقل إلى"شقة"من حجرتين في فرانكفورت حيث قضى أكثر من ثلاثين عاما ينتشي أكبر النشوة بكشفه الغطاء عن عالم لا نشوة