فهرس الكتاب

الصفحة 303 من 440

فيه. ولم يكن له رفيق إلا كلبه -"متشائم آخر مثله - أطلق عليه اسم أتما Atma - وهي كلمة هندية معناها روح العالم. أما أهل المدينة فكانوا يسمون هذا الكلب"شوبنهاور الصغير"."

وكان كلما وقعت أنظار الناس عليه وهو يمشِّي كلبه. هزوا رؤوسهم قائلين:"هاهما ذان الفيلسوفان على أهبة الاستعداد ليعويا في وجه العالم".

وهكذا قضى شوبنهاور الجزء الأكبر من حياته يفحص العالم خلال منظار عصره الملطخ بالدم. ولم يجد سوى خداع، وبغي، ويأس، وألم. وكان أن استخلص:"أن اليوم الذي نموت فيه أسعد من اليوم الذي ولدنا فيه. ولكن كم تبلغ سعادتنا منتهاها لو أننا لم نولد ألبتة".

قال شوبنهاور إن أكبر نكبة ضرب بها العالم هي إرادة الحياة. إنها إرادة عمياء لا ترجى منها فائدة. فحياتنا البشرية - والحياة كلها - إن هي إلا شيء لا قيمة له. والإنسان في جوهره مخلوق مزود بغريزة للكفاح. فنحن عبيد للحياة. ولما كنا مسوقين برغبتنا في الاستزادة من الحياة فنحن مدفوعون على الدوام إلى طلب مهلة للراحة بعد أخرى، وذلك دائما على حساب بعضنا البعض.

أما ما نسميه بالسعي وراء السعادة فما هو إلا جري غير معقول وراء الأوهام. فلن نصل أبدا إلى الهدف الذي نسعى إليه، إذ أن تحقق أية رغبة إن هو إلا عبور إلى رغبة جديدة. وكل نجاح يترك في أعماقنا شعورا مؤلما من السأم، أو قل فراغا عقيما يتطلب حافزا لمزيد من النجاح. وهكذا يصبح وجودنا كالخطار"البندول"يتأرجح استمرار بين ألم الرغبة وفراغ الإشباع. وليس أملنا

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت