فهرس الكتاب
الهندية القديمة. وقد صرح شوبنهاور بقوله:"إنه ليس هناك مذهب أنفع وأجدى من مذهب الأوبانيشاد". - مذهب التقبل الهادىء لما تعانيه نفسك من عذاب والتخفيف من حدة عناء الآخرين الذين ليسوا سوى امتداد لنفسك."أيها الرفاق السجناء في جب الحياة، فليشفقنّ بعضنا على بعض".
وهكذا ينتهي الأمر بتشاؤم شوبنهاور إلى نوع من التفاؤل السلبي، إلى لذة عقلية نلتمسها في الخروج بأكبر فائدة ممكنة من صفقة خاسرة. فليست هي بفلسفة الأطفال، وإنما هي للكبار الناضجين.
مع أن شوبنهاور نفسه لم يبلغ مرحلة النضج الكامل، فقد كانت إرادة النقد عنده أقوى من رغبته في التأمل. وكان نقده يهبط أحيانًا حتى يصل إلى استخدام العنف البدني. كما حدث ذات يوم وهو يناقش خادمته أن دفعها خارج الغرفة. فسقطت في العراك وكسرت ذراعها، فكان أن طالبته بتعويض أمام القضاء وحكم لها به. واضطر أن يعولها - كما ظل يلعنها - بقية حياته.
لقد كان على وعي شديد بأخطاء الآخرين، لكنه لم يكن شديد الإحساس بأخطاء نفسه. وكانت لذته الكبرى أن يجلس في مكتبه يدخن النرجيلة، تلك البدعة التركية التي كاد خرطومها المثنى يبلغ خمس أقدام من فمه حتى أرض الغرفة، وهو يحملق إلى تمثالين نصفيين لروحين يلائمانه. هما بوذا وكانت. ولم يكن يهيم حبًّا بأي مخلوق حي سوى كلبه أتما، حتى إنه قال في هذا الصدد:"إنني أكون على سجيتي أكثر ما أكون حين أكون بين أنصاف الآلهة أو بين كلاب. فهؤلاء وحدهم هم الذين لا تشوبهم نقائص البشر".