فهرس الكتاب

الصفحة 310 من 440

وفي الحقيقة لم تكن سخرية شوبنهاور من العالم إلا صرخة تحدٍّ لهذا العالم الذي أنكر عبقريته. ولم يعترف العالم بقدر من فضله إلا في النهاية، عندما تقدم في شيخوخته، وكاد بصره وسمعه يذهبان وضاعت أسنانه، وخلا فمه إلا من اللثة، ولم تعد فيه شهوة لطعام أو رغبة في شهرة. فكان تقديرًا وثناء لرجل على حافة الفبر. واعترف هو بذلك وابتسامة النفور تعلو شفتيه عندما قال:"هكذا بعد حياة طويلة ذقت فيها مرارة الإهمال وتفاهة التقدير، أجدني أزف إلى القبر يحوطني الحراس بين هتاف الأبواق ودق الطبول".

وماذا عن بقية العالم؟ إنهم لا يزالون ينفخون في أبواقهم ويدقون طبولهم نداء للحرب، والمزيد من الحرب، التي هي إرادة جهنمية للغلبة، وكان عام 1860، حين لم يكن يسمع ألمانيا وفرنسا وإيطاليا والنمسا والولايات المتحدة إلا قعقعة السلاح. وهكذا نرى الإنسان ذئبًا للإنسان Homo Homini Lupus فالناس ليسوا بشرًا. وإنما هم ذئاب آدمية على أهبة الاستعداد لافتراس بعضهم بعضًا. ما دامت هناك إرادة التناسل، وحافز إلى القتل، وعاصفة الحياة وهدوء الموت.

هذا حق، ولكن الحياة، حتى حياة شوبنهاور، لم تكن إلا مغامرة مثيرة ... ألا يجوز أن يكون رسول التشاؤم مخطئًا؟ ألا يكون خيرًا للإنسان أن يحب ويفشل، ويحيا ويموت من كونه لا يحب ولا يحا ألبتة؟ انظر إلى ضحك الأطفال، وجمال الفن، ولذة الإخلاص، ونشوة الإدراك، وبعث الربيع، بعد موت الشتاء - ألا تعادل هذه الملاذ كل آلام الحياة وأكثر؟

نشوة الإدراك وبعث الربيع. ماذا لو جمعنا بين الاثنين ومزجناهما فقلنا: ميلاد جديد مع إدراك كامل؟ فلا نرفانا (موت أبدي) ، بل حياة أبدية

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت