فهرس الكتاب

الصفحة 317 من 440

ورفض سبنسر العرض السخي، فقد كان لا يزال مصمما على عدم المضي في هذا العمل - فجسمه قد برح به الألم، وعقله قد شتته الهم، ولكن جاءه في تلك اللحظة من مصدر آخر ما شدد عزيمته إذ علم أن المعجبين به من الأمريكيين قد اشتروا باسمه من سندات التأمين ما تكفي أرباحها لتغطية نفقات ما يعتزم إصداره من كتب.

فتقبل هذا العرض، وظل يتابع كتابة"الفلسفة التركيبية"لأربعين عاما. وفي خلال قيامه بهذا العمل كان يتنقل من نزل إلى نزل حاملا مخطوطاته. وبعد أن حاصره المرض وأنهكه كان يبلغ به الهزال في بعض الأحيان حدًّا لا يستطيع مع أن يستمر في الإملاء أكثر من بضع دقائق كل مرة. وأضحت رياضته البدنية مقصورة على المشي من آن لآخر مسافة مائتين أو ثلاثمائة ياردة - وهي أقصى ما كان في وسعه أن يقوم به - ثم التنزه لمدة خمس عشرة دقيقة في عربة ذات عجلات من المطاط. وبعد أن ينقضي نهاره"بأقل ما يمكن فيه من عمل وأكثر ما يمكن من عذاب"كان يعتبر ليلته طيبة إذا أمكنه بعد تناول جرعة قوية من الأفيون، أن يستمتع بثلاث أو أربع ساعات من النوم المتقطع.

ووسط هذا الخضم من العقبات الشائكة، والأمراض المنهكة، أقام سبنسر خطوة فخطوة بناء فلسفة التطور - تطور المادة من الذرة إلى النجم، وتطور الحياة من الأميبا إلى الإنسان.

وفلسفة سبنسر علمية باردة؛ إذ يعوزها الدفء العاطفي والشاعري. فهي أشبه ما تكون بانعكاس ضوء الشمس على محيط قطبي. ومع ذلك فإن وهجها

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت