فهرس الكتاب
على بحث كل ما يقع في مجال الخبرة، وعجزه عن بحث كل ما يجاوز مجال الخبرة"."
وهكذا تخلى سبنسر عن كل ما هو مفارق - أي الأسرار المبهمة خارج حدود الخبرة - وكرس نفسه لبحث الواقع. وأقام فلسفته على دعامة الدليل العلمي المحدد لأعلى فروض اللاهوت غير المحددة. ففيما يتعلق بهذه الفروض عن السر العظيم الذي هو علة الوجود الغائية،"فإن العالم أكثر من أي فرد آخر يعلم حقا أنه لا يعلم شيئا".
أما في ميدان ما يمكن العلم به ففي وسع العلماء أن يجولوا كما يشتهون. ويتعقب سبنسر خطى العلماء إلى الحافة القصوى من هذا الميدان - فتراه يحقق، ويصنف، وينسق وينظم كل ما تحويه التجربة الإنسانية ليضمها تحت لواء مذهب فلسفي عام. وقد حدد سبنسر الفلسفة بقوله:"إن الفلسفة هي المعرفة موحدة توحيدا كاملا".
ويقول سبنسر إن هذا التوحيد يقوم على مبدأ شامل - هو إيقاع الحركة في عالم من المادة - إذ أن الوجود كله توقيعي الحركة. فالمد والجزر، وتعاقب الفصول، وظهور الأجناس والشعوب وفناؤها، واهتزاز أوتار الكمان وضربات القلب، ودورة الدم ودورة الرياح، ودورة الكواكب والنجوم - هذه كلها إن هي إلا بضعة أمثلة من نبضات الكون التي لا نهاية لها. وهذا النبض الأزلي ينظم ظواهر الوجود في معاودتها الحدوث بما يتفق ونظرية التطور والتدهور. ويلاحظ سبنسر:"أنه إذا ما بحثنا التاريخ الكامل لأي شيء وجدنا أنه يتألف من ظهور ذلك الشيء من الخفاء وعودته إلى الخفاء". فمن السدم تنبثق كتل من اللهب، تتطور إلى مذنبات وشهب ونجوم وكواكب، ثم تنتظم هذه الأجرام الفردية في مجموعات وأبراج ومجرات وعوالم إلى أن تندمج