فهرس الكتاب
في تناسق سام من الحركة والنور. ويؤكد سبنسر أنه بتطبيق القانون نفسه فإن جميع الكائنات الحية تخرج من التراب. وتتطور إلى أسماك وطيور وحيوانات وبشر، ثم تنسق الأفراد في أسر وعشائر وطبقات دول، إلى أن يتآلفوا في النهاية في اتحاد تعاوني لعالم متحد.
ولنكتف بهذا القدر فيما يتعلق بتطور قانون الإيقاع في عالم من مادة، غير أن التطور يعقبه التدهور. فمن الكائنات المفردة إلى تجمعات، ومن التجمعات إلى كائنات مفردة مرة أخرى، من الموت إلى الحياة، ومن الحياة إلى الموت. أنت من التراب وإلى التراب تعود. وإن هذا ليصدق على العالم صدقه على الإنسان. فكل كائن عضوي إلى التحلل. وكل نجم سيتحلل إلى رماد. كل إنسان وكل شعب بل كل جزء من الأعمال العظيمة التي أنتجها الجنس البشري مصيره إلى زوال: فما الميلاد إلا تمهيد للقبر.
ولكن - وهنا نجيء نعمة الرجاء في فلسفة سبنسر - عملية الإيقاع النغمي قائمة إلى الأبد. فبعد أن تكتمل دورة، تبدأ دورة أخرى. وما حياة وموت أي فرد، أو كوكب، أو عالم، إلا فصل واحد في مسرحية الوجود، لا المسرحية كلها. وفي بناء هذه التمثيلية المنغوم يتبع النهار الليل في اطراد ثابت كما يتبع الليل النهار. وإن تجربتنا لتبلغ نهايتها عند باب السر العظيم، سر التحلل والموت. ولكن"هناك حقيقة كائنة وراء حدود تجربتنا". فيذهب سبنسر في طبعة أخيرة من كتابه إلى أن ماهية العالم"محال تصورها تصورا كاملا بالحدود العلمية وحدها". فوراء كل هذا لا بد من قوة غامضة يستحيل إدراكها -"علة مجهولة تولد إيمانا معينا داخل ذواتنا". إيمان لا يقتصر على الإيقاع النفسي في معاودة الحدوث، بل هو كذلك إيمان بالتبرير النهائي للوجود. فكل تحلل