فهرس الكتاب
التي كان يرغب في الزواج منها. ولم يستطع جسمه الواهن أن يكبح جماح إرادته المتهورة أو يشبعها.
ولد في عام 1844 في بروسيا - وكانت قطرًا صغيرًا يتوق في غير ما مسوغ، مثل نيتشه، إلى أن يحتل مركزًا عظيمًا. وفقد أباه، الذي كان من رجال الدين، هو لا يزال طفلا. فتولت أمه تربيته وأرضعته بلبنها الروحي؛ من تعصبها لمذهبها. فسار هو على نهجها يتمسك بالمذهب في تزمت إلى أن بلغ التاسعة عشرة من عمره.
وبعدئذ تأرجح"البندول"من النقيض إلى نقيضه. فخرج نيتشه على مألوف العقيدة، ولكنه احتف بتعصبه. واتخذ موقفًا عدائيًّا شديدًا من المسيح. وتصور أنه قد قدر له أن يكون"مسيحيًّا مضادًّا للمسيح". وكان قد قرأ كتاب شوبنهاور عن"العالم كإرادة وفكرة"، فقر قراره على أنه كما كان يوحنا المعمدان مبشرًا بعيسى، فإن شوبنهاور هو المبشر بنيتشه.
وذلك لأن فلسفة شوبنهاور التي أساء تفسيرها - كما سنرى فيما بعد - قد نقلته إلى حالة من النشوة والذهول مجد فيها نفسه:"إنه ليبدو لي أن شوبنهاور كان يخاطبني أنا ... وفي هذا الكتاب رأيت طبيعة نفسي صورة في جلال مخيف". وبدأ يرى في نفسه واضع أصول دين جديد هو دين الكراهية الذي يقابل دين المحبة الذي نادى به المسيح.
ولما بلغ الثالثة والعشرين انخرط في سلك الجندية. ولكن الحياة العسكرية كانت مجهدة له إلى حد بعيد، فلم يقو على احتمالها، وسرعان ما أخلى سبيله. ومنذ تلك اللحظة فصاعدًا قدَّس الجندية - باعتبارها رمز القوة التي كانت تعوزه -."أحسست للمرة الأولى أن أسمى إرادة للحياة لا تعبر عن نفسها في التنازع التعس من أجل البقاء، وإنما في إرادة القوة، إرادة السيطرة، إرادة القتال".