فهرس الكتاب

الصفحة 329 من 440

وهكذ أخذ التلميذ الشاب لشوبنهاور يشوه تعاليم أستاذه. فقد سبق أن قال شوبنهاور إن ما بنا من بغي، وأعني إرادة الحياة، هي أكبر نكبة نكب بها العالم. أما نيتشه فيصرح أن هذا البغي، هذه الإرادة للقتل من أجل الحياة، هي أنبل هدف في العالم.

إن الإنجيل الجديد الذي بشر به نيتشه يمجد الإقدام حتى نبلغ القمة، ولكننا نجد أن طموحه الشخصي نحو هذا المجد قد خنقته حياة القعود. ولما شغل منصب أستاذ الأدب اليوناني القديم في جامعة بازل ازداد تمسكًا بفلسفته الشيطانية مستندًا إلى القانون الإسبرطي الذي يدعو إلى الاعتداء الحربي وينادي بأن قوة التدمير هي الهدف الأعظم في الحياة.

وكانت تشغل باله فكرة العظمة والجلال. ولكن بالرغم من كلماته المتألقة عن نفسه، فإنه لم يجد أي جلال في أعماق روحه. فأخذ يبحث حواليه عن بطل يتخذ منه نموذجًا يحتذيه. وفي تلك اللحظة عثر في ريتشارد فجنر على هذا البطل المنشود. ووجد في موسيقى فجنر الصارخة روحا تماثل روحه. ولو طلب إلى أنصار فرويد أن يحللوا هذا الموقف لكان من المحتمل أن يعزوا عبادة البطل هذه إلى عقدة النقص عند نيتشه - ألا وهي رغبته في أن يصور نفسه كإنسان أعلى (سوبرمان) نتيجة عجزه عن أن يكون إنسانا فيه طبيعة الإنسان.

وظل يدور في فلك فجنر مدة من الوقت. ولكنه لم يلبث أن تركه حانقا، عندما"أذعن فجنر لما في المسيحية من انحلال"في مؤلفه Parsifal - وهذه هي لكلمات التي استخدمها نيتشه في هذا الصدد؛ إذ أن هذا النوع من"الورع والرحمة"لم تكن تحتمله روح نيتشه المعادية للمسيحية"."

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت