فهرس الكتاب

الصفحة 330 من 440

وبعد ذلك خاب أمله حبه، وتدهورت صحته الجسمية والعقلية جميعًا. وما إن تحسنت صحته قليلا حتى ازداد تعصبًا عن ذي قبل. ثم رحل إلى إيطاليا لكي يسترد صحته، ومن إيطاليا انتقل إلى جبل الألب، ومن الألب انغمس في عالم من شطحات الوهم خلقه خلقًا، وقد اتخذ من النبي الفارسي القديم (زرادشت) شخصية يعبر بلسانها عن فلسفته الجديدة.

وهنا للمرة الثانية نجد أن نيتشه قد حرّف المعنى الذي قصد إليه معلمه. فزرادشت قد صور العالم مسرحا للتنازع بين الخير والشر."ولا بد أن يسود الخير". أما نيتشه فكان ينظر إلى العالم على أنه بيمارستان لا تقاس فيه الأفعال بمعايير الخير والشر، أو مكانٌ يتحكم فيه جشع السادة في حاجة سواد الناس. وبينما كان زرادشت يضم الإنسانية بين جنبات حبه الشامل، ترى نيتشه يدخلها في كرهه الشامل.

ولم يكن كتاب نيتشه"هكذا قال زرادشت"إلا حلمًا من الأحلام المتطرفة الخيال التي تسجلها العقول المختلة - وكما اعترف نيتشه:"أنها روح طغت على كل ما يحدها". وفي غرور عظمته الموهومة قال في زهو:"إنه مؤلف فريد. فلنمتنع عن ذكر مؤلفات أخرى إذا ما تحدثنا عنه. إن العالم لمن يشهد كتابًا كهذا".

وحقًّا إنه لكتاب فريد. إذ يفيض بالعاطفة بدلا من أن يكون مليئًا بالفكر. ولقد دفع العقول المضطربة المستبدة نحو جنون العظمة لأنفسهم على حساب العالم. ولنستمع إلى نيتشه ينادي قائلا:"عش مغامرا .. عش في حالة حرب دائمة .."فإن من يرد لنفسه السيادة عليه أن يهدم القيم القديمة هدما.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت