فهرس الكتاب
إنه نظر إلى نفسه على أنه أعظم من فجنر وأعظم من نابليون، بل أعظم من المسيح. كما أنه اعتبر كتبه"أسمى إنتاج أدبي يفخر به الزمن بطوله".
أما عن تعظين نفسه فلم يكن يعادله إلا أمانة نفسه. فلما تقدم به الزمن ازدادت سخريته من الإنسانية وبغضه لنفسه. وفي الحقيقة، لم يكن ضحكه إلا نتيجة لمرارته وألمه. وقد كتب في أثناء إحدى نوبات صحوه وتعقله:"لعلني أعلم جيد العلم لماذا كان الإنسان هو الحيوان الوحيد الذي يضحك. فالإنسان وحده يعاني من العذاب الأليم ما اضطره إلى أن يخترع الضحك".
وهكذا ظل نيتشه يضحك ويعنف ويخلط ويهرف. بينما كان الألم يبرح بجسمه. ثم أخذ بصره يضعف شيئًا فشيئًا حتى كاد يصيبه العمى في النهاية. وبدأ في نوبات هذيانه يصرخ قائلا إنه إله وثني سمر على صليب الغباوة الإنسانية.
وفي يوم من شتاء عام 1899 بلغ جنونه حدًّا تصعب معه قيادته. فأرسلوه إلى (البيمارستان) - وبذلك"وضع في المكان اللائق به"كما علق الناقد الألماني، ماكس نوردو.
وما هي إلا فترة وجيزة أطلقوا بعدها سراحه على أن تقوم أمه برعايته. ولكنه كان آنئذ قد تحطم تماما. فلم يعد في استطاعته أن يكتب، أو حتى يفكر، وإنما كان يهذي فحسب بعبارات غير مرتبطة. ومن وقت إلى آخر كانت عبارة قصيرة أو أخرى مقتبسة من مؤلفاته تخرج متعثرة من عقله المهوش. وحدث أن همس في إحدى هذه المناسبات قائلا:"قل كلمتك، ثم تقطع إربا".
وأخيرًا، ما إن حل عام 1900، حتى ضم الموت القطع المحطمة بعضها إلى بعض ثم اكتسحها خارج العالم.