فهرس الكتاب
لا تعلمنا كيف نعيش فحسب، بل تعلمنا كذلك كيف نعيش معًا. ويجب أن نعلم أن الطبيعة ليست بأية حال مثالا لانتصار القوة البدنية. بل هي بالأحرى دليل واضح على ارتقاء الهبة الروحية. أما التنازع من أجل البقاء فهو لا يقوم بين إنسان وآخر، بل يقوم بين جماعاتت من الناس في ناحية وقوى الطبيعة المدمرة أو أفراد يملؤهم الحقد والبغض في الناحية الأخرى. وفي هذا الصراع لا تظن أن الشعوب الضارية هي التي تبقى على قيد الحياة. لا، بل هي الشعوب المسالمة وحدها. لأن السلام يؤدي إلى الاتحاد، والاتحاد قوة. ولا عجب فغريزة العون المتبادل هذه دائبة العمل والأثر في الإنسان. فهي، كما لاحظ داروين،"أصل الضمير الإنساني وأساسه".
هذا من جهة، أما إنسان نيتشه الأعلى، من الجهة الأخرى، فما هو إلا مخلوق غليظ القلب عديم الضمير. وليست غاية الإنسان أن ينمي الذات الفردية القاهرة، وإنما الذات الاجتماعية المتعاونة. وقد عجز نيتشه عن إدراك هذه الغاية التي إن هي إلا العامل الأخلاقي الذي يكمن في أساس كل دين وكل فلسفة أو قل هو الملاط الذي يجعل من الجنس البشري وحدة من الرأفة المتبادلة. وفوق ذلك يمكننا هذا العامل الأخلاقي بخطوات وئيدة لكنها ثابتة من أن ندرك، لا اتحادا لغايات الإنسانية كلها في اتجاه واحد فحسب، بل ندرك كذلك اتحاد الحياة الإنسانية كلها اتحادا يتناولها في الصميم.
بالرغم من عبقرية نيتشه وتألقه، فإن قراءته اليوم تجربة تبعث السأم في النفوس. فعبادته لضواري الرجال إن هي إلا دين المجانين من أمثال نيتشه نفسه. والحقيقة المؤلمة أنه كان كلما تقدم في السن ازداد عدم اتزانه واختل عقله. حتى