فهرس الكتاب
وعلى هذا الرجل الضاري أو الإنسان الأعلى الحاكم الذي نادى به نيتشه - وياله من نداء بعيد كل البعد عن الملك الفيلسوف الذي نادى به أفلاطون! - أقول عليه أن يحاول"إنقاذ"العالم من"الديمقراطيين، والمسيحيين والأبقار"أو من يعرفون خلافا لذلك بالقطعان ( Die Herden) .
والغاية من كل هذا تنحصر في"قلب المجتمع القديم وبناء مجتمع جديد". وقال نيتشه في هذا المقام إن المجتمع الجديد"ينبغي أن يشيد كالهرم، مستقرًّا على قاعدة من الطبقات الوسطى والدنيا المستسلمة الراضية، وينتهي عند قمته بالرأس الحاكم". وهذا القائد يجب أن يكون"الأنا الكلي المقدس أو الأثرة المباركة إلى أسمى الدرجات".
وفي هذه الفلسفة، فلسفة الأثرة البالغة أقصى حدودها، القائمة على"قوانين التطور التي لا رحمة فيها"، نسي نيتشه أن يذكر شيئًا هامًّا. فبقاء الأصلح لا يعتمد على الدمار المتبادل. بل على الخدمة المتبادلة. كما أن تطور الإنسان ليس تنازعًا للبقاء، وإنما هو نظام للتعايش. وقد حدد داروين نفسه هذا النظام التعاوني بقوله إنه"الغريزة الدائمة"للإنسانية. ويجب ألا ننسى أن الارتباط المتبادل هو العامل السائد في الطبيعة - أي في حركات النجوم وفي أخلاق البشر. وليس العالم إلا ساحة قتال الأقوياء فيها يبيدون الضعفاء، وسريعو الحركة يفنون الكسالى، والماكرون يقهرون البسطاء، والشجعان يمحقون الجبناء. لا، وإنما هو كذلك مدرسة للتقدم، وحجرة دراسة للتعايش بين الشعوب، ومنصة لتثبيت الدروس في الأذهان - دروس في طول الأجل، والفطنة والصحبة، وفعل الخير، والمشاركة الوجدانية، والمحبة. فإن عملية التطور