فهرس الكتاب

الصفحة 346 من 440

هي الحال في تطور المجتمعات الإنسانية ومصائر الأفراد، لم يحالف أعظم التوفيق إلا أولئك الذين قبلوا التعرض لأفدح الأخطار واحتمال أثقل التبعات"."

ومن أجسم تبعات الحياة حرية الفكر الإنساني - التي تحاول دوما أن تثبت أن الإنسان أقرب ما يكون إلى صورة الله. ولكن أجسم التبعات هذه تعطي لمن يتحملها أعظم الثواب. وما هذا إلا المعنى الصحيح للتنازع من أجل البقاء - أي التنازع بين القوة الخلاقة في الحياة وقوة القصور الذاتي في المادة."فالخلق بهذا المعنى ليس سرا غامضا؛ إذ أننا نمارسه في داخل ذواتنا عندما نعمل بحرية". وهكذا نلاحظ أنه عندما نحاول أن نصلح من أنفسنا - ونعني بذلك، أن نجعل من أنفسنا أشخاصا تكون أكثر قبولا عند ذواتنا الأفضل - فإننا نتبع ما يمليه"الدافع الحيوي"فينا. وبهذا نذعن لقوة التطور الخلاق في مواجهتها لقوى الانحلال المانعة للتقدم.

وعلينا ألا ننسى أننا لا نزال حتى الآن في أولى المراحل من تطورنا الخلاق. فإن وجودنا الإنساني على ظهر الأرض لمّا يستغرق من الزمن إلا لحظة يسيرة في الديمومة الأزلية الأبدية التي ما ننفك ننمو على مدادها. كما أن المسرح المعد لأعمالنا المستقبلة غير محدود المدى. أما المسرحية التي علينا أن نلعب فيها دورا فيستعصي علينا أن نجد لها كلاما يعبر عنها في هذه المرحلة الحاضرة من تطورنا. وفي عبارة من أبلغ عباراته، يصف برجسون مشهد التطور الخلاق كما يراه بقوله:"لا تقوم للحيوان قائمة إلا على النبات؛ والإنسان يتخطى الحيوان ويفوقه، في حين تكون الإنسانية في مجموعها، في الزمان والمكان، جيشا ضخما واحدا يعدو إلى جانب كل منا، وأمامه، وخلفه في هجوم شامل عام"

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت