فهرس الكتاب
ومع ذلك فإن الذكاء، طبقًا لبرجسون، لا ينبغي أن نسرف في التهوين من شأنه. إذ أنه له أيضًا وظيفته الضرورية. فهو يعيننا على تفهم عالم المادة والمكان، في حين يمكننا الحدث من إدراك المعنى الباطني الذي تنطوي عليه الحياة. أما عن آفاق العقل فهي أوسع بكثير من آفاق الذكاء."ولا شك في أن مهمة الفلسفة الرئيسية في القرون المقبلة سوف تنحصر في الكشف عن أقدس أعماق العقل، والكد في الكشف عن الطبقة التي تقع تحت الشعور".
عرفنا أن فلسفة برجسون تعالج تطور الفكر الإنساني. ولكن فكرته عن التطور تختلف اختلافا تاما عن فكرة داروين عن البقاء للأصلح في غمرة التنازع من أجل البقاء، فالتطور ليس عملية هدم عمياء وإنما هو قوة خلق لما قصد وغاية. وهو كذلك"عملية مستمرة لخلق ما هو جديد جدة مطلقة". أما تقدم الحياة، من أحقر الصور إلى أسماها، فإنه لأكثر من تحرك آلة صنعت من مادة وقع عليها الاختيار اتفاقا إن صوابا أو خطأ وما التطور إلا حافز على النمو، ففي كل بذرة"غريزة كامنة في داخلها تتلمس طريقها وتشمخ بارتفاعها، ثم تصبح روحا في الحشائش والأزهار". ولكل شيء خطة مرسومة. وهذه الخطة باطنية في الشيء، كما قال أرسطو، أو هي تعاون الأجزاء غريزيا لكي تنتج كلا أكثر تناسقا.
وهكذا نجد أن الحياة دافع يبتدع دائمًا أبدا ويخلق بالتناسل شيئًا أفضل من ذي قبل. وفي عملية التطور لا نعثر على أثر لما نسميه المصادفة؛ إذ أن لكل مخلوق حي خطة معلومة يسير بمقتضاها نحو التقدم - وهي خطة ذاتية إلى حد بعيد. ولا تهدف الحياة إلى الأمن وإنما إلى المخاطرة."ففي تطور الحياة، كما"