فهرس الكتاب

الصفحة 344 من 440

جسم الحياة لا روحها. ولذلك فإن ذكاءنا عاجز عن إدراك ماهية الحياة التي تساير تلك الأشياء الظاهرة، أي أنه عاجز عن إدراك أن للعالم جانبين متلازمين: نمو الزمان وامتداد المكان في وحدة أزلية واحدة للوجود.

وهكذا لم تعد ما تسمى بالعلوم الدقيقة إلا مجرد تخمينات تقريبية. فليس في وسعها إلا أن تفسر المادة وحدها لا الطاقة، والمخ وحده لا العقل، والشيء كما يدركه الفكر، لا جوهر فكره. وقصارى القول إن ذكاءنا موجه نحو عالم آلي مادي، إننا إذ نحاول في مشقة أن نبني الآلات التي تحمل أجسامنا مسافة ألف أو مليون ميل خلال المكان، أما عقولنا، فمن غير أن تعرقلها أية حاملات آلية، نراها تستطيع أن تطوف حول الكون كله - قاطعة بذلك بلايين لا تعد ولا تحصى من الأميال - في مدى لحظة واحدة.

وبعبارة أخرى فإن أفكارنا ليست أجساما مادية سابحة في عالم الكون، وإنما هي كائنات غير مادية من خلق مستمر - أو بتعبير برجسون،"من ديمومة تسير إلى أمام"- في عالم الزمن.

ثم يقترب برجسون من أفلاطون عندما يقول: إن هذا العالم من الأفكار هو العالم الذي نراه بالحدس، لا بالذكاء (والحدس Intuition كلمة من الأصل اللاتيني: Intueri التي معناها"يرى بثبات") . فملاحظات الذكاء لا تعطينا سوى جزء من الحقيقة، على حين يزودنا النظر الحدسي بالحقيقة كلها، إذ يمكننا من"أن نسبر أغوار الحياة، ونجس نبض روحها المتناغم". كما أنها تبين لنا أن فكرنا ليس حركة جزيء من جزيئات المخ، وإنما هو خفقة أزلية تنبض بها الحياة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت