فهرس الكتاب
"ولكن للذاكرة فوق هذا عملا آخر. فبها نستطيع بلمحة حدسية واحدة أن نستوعب لحظات كثيرة من الزمان (الدافع الخلاق) . وفي ذلك تحرير لنا من حركة تدفق الأشياء. ونعني بذلك، تحريرنا من الاطراد الإيقاعي المحتوم لتلك الأشياء. وهكذا كلما ازداد عدد ههذ اللحظات الحرة التي يمكن ذاكرتنا أن تستدعيها، ازدادت قدرتنا على إخضاع المادة لسيطرتنا". وفي عبارة أخرى فذاكرة الإنسان هي معيار قدرته على العمل الخلاق.
وليس من الضروري أن تكون ذاكرتنا، أو قل شعورنا ووعينا بالماضي، مرتبطا بجسمنا. نعم إن عقولنا طوال أعمارنا تعتمد على أمخاخنا (أي على أجسامنا) . غير أن هذا لا يكون إلا كما يعتمد الثوب على المشجب. فوجود الثوب لا يترتب على وجود المشجب. وإذا ما نزعنا المسمار من مكانه هوى الثوب ولكنه يظل محتفظا بكيانه. وعلى ذلك"فليس من الضروري أن يكون لك مخ لكي تتذكر، كما أنه ليس من الضروري أن تكون لك معدة لكي تهضم الطعام"فالأميبا مثلا، يمكنها أن تهضم طعامها من غير ما معدة. كذلك مخ الإنسان، شأنه شأن معدته، إن هو إلا جهاز مؤقت، وليس عضوا لا يمكن الاستغناء عنه إلى الأبد.
وإذا كان الأمر كذلك، فلم اعتدنا إذن أن نعتبر أفكارنا نتاج أمخاخنا؟ لعل ذلك راجع، كما أوضح برجسون، إلا أن المظهر"الذكائي"لتفكيرنا قد تطور إلى أداة تدرك العالم من حيث هو شيء مادي في المكان."فإن مهمة الذكاء، بمعنى الكلمة الضيق، هي أن يكفل ملاءمة الجسم الكاملة للبيئة التي يعيش فيها، وأن يكشف لنا العلاقات التي تصل الأشياء الخارجية بعضها ببعض أو قل باختصار أن يفكر ماديا"، فيقيس ويحلل الأجسام المادية، ويرى